الرئيسية / رأي / ثلاثية أنقرة موسكو طهران وقضية سورية

ثلاثية أنقرة موسكو طهران وقضية سورية

صدى الشام _  نبيل شبيب/

خارطة العلاقات الدولية حول سورية

ليس سهلا التنبؤ الآن عبر منظور قضية سورية بما يمكن أن يسفر عنه التقارب الجديد بين تركيا وروسيا، ودخول إيران على الخط، ولكن يمكن استشعار بعض ملامح النتائج المحتملة من منظور “تدويل” قضية سورية، وبالتالي قابلية تأثر التعامل معها عبر كل تطور كبير في خارطة العلاقات الدولية، ويمكن القول بإيجاز شديد بشأن أبعاد التطور الجديد:

١- هذا التطور في بداياته، ولكن يبنى على علاقات ثنائية وثلاثية من قبل، واقتران التحركات الجديدة بتوتر العلاقات التركية مع الدول الغربية قبل محاولة الانقلاب الفاشلة وبعدها، مما يثير في الوقت الحاضر حفيظة تلك الدول وتوجساتها.

٢- لن تميل تركيا الآن ميلة واحدة عن موقعها الحالي، وهي الدولة الثانية عسكريا في حلف شمال الأطلسي، ولكن ستفقد المجموعة الأطلسية بزعامتها الأمريكية تدريجيا بعض خيوط “لعبتها السياسية” مع كل من روسيا وإيران، وكذلك تركيا نفسها، وهي حريصة على الإمساك وحدها بزمام تلك الخيوط.

٣- اعتمدت الزعامة الأمريكية الغربية منذ سنوات عديدة على “شرخ” يتجدد باستمرار في نسيج صناعة سياسة أوروبية مشتركة، يضعف قيمة الصعود الاقتصادي الأوروبي، ويعلم الأوروبيون بمفعول الموقف التركي الرافض لتلبية مطالب “بوش الابن” عند احتلال العراق، في مواكبة معارضة فرنسية وألمانية آنذاك، وقد يترك نجاح نهج مستقل تركي أثره في ولادة نهج سياسي أوروبي مستقل نسبيا، على محور فرنسا-ألمانيا.

اعتمدت الزعامة الأمريكية الغربية منذ سنوات عديدة على “شرخ” يتجدد باستمرار في نسيج صناعة سياسة أوروبية مشتركة، يضعف قيمة الصعود الاقتصادي الأوروبي، وقد يترك نجاح نهج مستقل تركي أثره في ولادة نهج سياسي أوروبي مستقل نسبيا، على محور فرنسا-ألمانيا.

٤- ستتأثر الزعامة الأمريكية عالميا أيضا، إذا بلغ أثر السياسة التركية المحتمل -مستقبلا- خارطة العلاقات الدولية عموما، كتحسين فعالية تجمعات دول “ناهضة” ما بين الصين والبرازيل، وقد بقيت ضعيفة منذ نشأتها في آسيا وأمريكا الجنوبية، فإن تحقق ذلك يؤثر تأثيرا أكبر على طغيان الهيمنة الأمريكية دوليا.

ملاحظة: ما سبق تكهنات تحليلية واستشراف مستقبلي، يقيس على تطورات سابقة، ولكن تخطئ التوقعات وتصيب بطبيعة الحال، لا سيما مع احتمال وقوع تطورات مستقبلية غير متوقعة حاليا.

قضية سورية في خضم مصالح متعارضة ومتوافقة

لا يوجد الآن ولا يتوقع حاليا “محور تركي روسي إيراني”، فالتعارض بين المصالح يجاور التوافق، مما لا يقتصر على الساحة الدامية لقضية سورية وحدها، فمن ذلك:

١- دفعت مصلحة موسكو لدعم إيران أثناء جولات “الملف النووي” مع الغرب، ولكن ليس بغرض تحويل إيران لقوة إقليمية (وهذا ما صنعته واشنطون) ففي ذلك ما يهدد نفوذ موسكو في أواسط آسيا.

٢- تتناقض أهداف تدخل موسكو الجنوني في سورية مع أهداف تدخل إيران الجنوني، فتمدد الهيمنة الإيرانية جغرافيا يقيم جدارا بين موسكو وما تسميه “المياه الدافئة” ما بين الخليج والمتوسط.

٣- حتى الآن اقتصر أثر التقارب بين موسكو وأنقرة على التعامل مع “المتطرفين” من الأكراد وداعش، ولم يكن منتظرا أكثر من ذلك حاليا، فالسياسات الخارجية لا تتحول دفعة واحدة، والمرجو أن يكون التحول في الممارسات الروسية (والإيرانية) في قضية سورية وليس في السياسات والممارسات التركية.

حتى الآن اقتصر أثر التقارب بين موسكو وأنقرة على التعامل مع “المتطرفين” من الأكراد وداعش، ولم يكن منتظرا أكثر من ذلك حاليا، فالسياسات الخارجية لا تتحول دفعة واحدة.

٤- تتعارض أهداف تركيا ومصالحها في قضية سورية مع الطرفين، وهذا ما يعطيها موقعا متميزا للمناورة، ولهذا انعقدت اللقاءات الأخيرة على مستوى، روسي إيراني، تركي روسي، تركي إيراني، بينما سارعت إيران أثناء القمة التركية الروسية إلى تأكيد رغبتها في التلاقي الثلاثي، تخوّفا من نتائج التلاقي التركي الروسي على حسابها.

٥- تزامن مسار التطور الأخير باندلاع ملحمة حلب الكبرى، التي لم تبين “حجم انهيار بقايا النظام الأسدي” فقط، بل بينت أيضا عجز الميليشيات التابعة لإيران عن تحقيق مكاسب جغرافية وسط نشر مقولات تبريرية حول ضعف كثافة التغطية الجوية الروسية، وهي -إن صحت- تؤكد التناقض بين الجانبين، وإن كانت مجرد شائعات تؤكد ضعف جدوى التدخل الروسي فيما يتجاوز “التقتيل والتدمير” إلى تحقيق أهداف “استراتيجية”.

٦- يوجد من يزعم أن التطور المذكور يقع فيما يسمى “الوقت الضائع” بالإشارة إلى انشغال واشنطن بمعركتها الانتخابية الرئاسية، وهذا مجرد زعم، فالممارسات الأمريكية العدوانية لم تنقطع في حالات مشابهة في الماضي، ولم تنقطع الآن بل ازدادت عنفا.

٧- ويوجد من يزعم أن التوافق الأمريكي-الروسي في قضية سورية سيكون أكبر تأثيرا من توافق تركي-روسي، والفارق كبير، فالعنصر المشترك بين تركيا وروسيا هو استعداد موسكو للقبول بأن يستقر الوضع في سورية دون خسارة المصالح الروسية (الوجود في شرق المتوسط)، واستعداد تركيا لذلك قائم دون أن يصيب المصالح التركية (قضية الأكراد) بضرر، أما المصلحة الأمريكية فتقوم على نشر ما تسميه الفوضى الخلاقة -وهي هدّامة- وعلى ضعف جميع الأطراف المتقاتلة والمتنازعة، محليا وإقليميا، ولا تبالي بمصالح “الحلفاء التقليديين”، أي السعودية وتركيا والدول الأوروبية نفسها.

ملاحظة: فيما سبق تبسيط تعقيدات خارطة التناقضات وبيان معالم الأرضية التي يقف عليها المخلصون في قضية سورية، وأهمية الاستفادة من الفرص المتاحة لتوظيفها في صالح مسار الثورة.

بمنظور قضية سورية: حصيلة.. ومنطلقات

السياسة الناجحة تجعل من حصيلة كل تطور جديد منطلقا للتصرف الهادف للإسهام في صناعة التطور التالي في صالح الأهداف الذاتية.

سجل الثوار في حلب “سابقة” في التاريخ الحديث للمعارك العسكرية؛ أن يتمكن طرف أقل عددا وعتادا ومحروم من غطاء جوي ومن دفاع جوي، من فك الحصار حول مدينة كبيرة، بحد أدنى من الخسائر الذاتية.

ومقابل التطور الجاري على المستوى الإقليمي بأبعاده الدولية، يشهد مسار الثورة في سورية تطورا جذريا في ملحمة حلب الكبرى، ويشمل هذا التطور مجالين:

(١) في الميدان العسكري: سجل الثوار “سابقة” في التاريخ الحديث للمعارك العسكرية، أن يتمكن طرف أقل عددا وعتادا ومحروم من غطاء جوي ومن دفاع جوي، من فك الحصار حول مدينة كبيرة، بحد أدنى من الخسائر الذاتية.

(٢) في الميدان السياسي: لم يصدر عن طرف مشارك في الملحمة موقف سياسي أو بيان إعلامي أو تصرف ميداني يمكن توظيفه ضد الثورة والثوار، ولا قيمة للتهجمات والاتهامات الغوغائية فهي لا تخفى على صناع القرار الإقليمي والدولي.

أهم بنود الحصيلة –وليس جميعها- من “المرحلة الأولى” في (١) مسار ثلاثية التطور في علاقات “أنقرة-موسكو-طهران” وفي (٢) مسار ملحمة حلب الكبرى المتواصلة:

١- سقوط البقية الباقية من الرهان الروسي والإيراني على بقايا نظام لا يمكن إحياء رميمه.

٢- مقدمات عودة تركيا إلى الساحة السورية من موقع متميز أكثر مما مضى.

٣- نضوج النهج السياسي في مواكبة ارتفاع مستوى الأداء العسكري لأهم الفصائل الثورية.

٤- تجديد الأمل في مسار الثورة بعد نكسات عديدة ومعاناة كبيرة.. وإن لم تنقطع.

 

هذه الحصيلة أو بعض بنودها يمكن أن تتحول إلى منطلقات مرحلة أكثر تقدما في مسار الثورة، بشروط، في مقدمتها:

١- تنامي حجم التفاعل الثوري الإيجابي مع ملحمة حلب الكبرى، فلا يقف عند جبهات حماة والساحل، بل يصل إلى (١) نجاح الجهود الحالية لتطهير غوطة دمشق من نتائج نزاعات خطيرة أضعفتها وضاعفت تعرضها للمخاطر العدوانية، وإلى (٢) كسر أغلال خارجية (المصدر إسرائيلي والشريك أمريكي والأداة أردنية) تمنع من تلاقي الثوار على عمل مشترك في جنوب سورية يعيد إليه نضارة مهد الثورة.

٢- أن تتخلص التشكيلات والجهات المنتسبة للثورة سياسة وفكرا، من أسباب ترهّلها الأقرب إلى الموات -إلا من رحم ربي- فاستمرار المعاناة يستدعي تجريم ترف “التعامل التقليدي” مع التطورات الجارية، وفيها فرصة ثمينة لأداء مهمة تاريخية، إذا ارتفعنا سياسة وفكرا إلى مستوى مواكبة حصيلة تلك التطورات برؤية جماعية صائبة، وقرارات فاعلة جريئة.

 

ويا شعب سورية.. النصر محتم لثورتك بإذن الله، وستنال الحرية والكرامة والعدالة والأمن والتقدم، فقد دفعت لذلك ثمنا عاليا، وقد بدأ مسار ثورتك بالخروج من عنق الزجاجة، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *