الرئيسية / رأي / تنجيم استراتيجي

تنجيم استراتيجي

صدى الشام _ عبد القادر عبد اللي/

شاع الشغف بالدال فترة بين المسؤولين السوريين، فصارت المرأة أو الرجل أول ما يبدأ حملاته ومبادراته ساعياً لتسلم منصب ما، يتجه نحو أحد المكاتب التي تبيع شهادات الدكتوراه المستوردة من الاتحاد السوفيتي الصديق، ويحصل على واحدة على الأقل. واستمر هذا الشغف إلى ما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وظهور ما سمي الدول المستقلة.

اكتشف البعض أهمية المبالغ المالية المتحققة من هذه التجارة، فقرروا استبدال المنتج المستورد بآخر محلي الصنع، فأسسوا جامعات تمنح الدال بأسعار تنافسية. وفي مرحلة لاحقة بعد الثورة السورية، فتحت عشرات المكاتب لبيع الشهادات بمختلف أنواعها.

بعد انتشار الدال المرفقة بنقطة قبل الاسم، لم تعد كافية وحدها، وبدأ المسؤولون أنفسهم البحث عن ألقاب أخرى تحدث تمايزاً فيما بينهم، فاخترع لقب “الخبير” فصار لدينا “دكتور خبير”، وفي مرحلة متطورة أخرى أضيفت كلمة دولي، وصار لدينا دكاترة خبراء دوليين في الاختصاصات كافة، وقد انتشر هذا اللقب في ميدان الإعلام أكثر من الميادين الأخرى، ثم بدأت تدخل ألقابٌ أخرى لزيادة التميّز مثل لقب: “استراتيجي”، وصار لدينا خبراء دوليين استراتيجيين في شؤون دولة ما، ثم إقليم ما وقارة ما، وأخيراً ظهر خبراء استراتيجيون في الميادين والدول كافة، وحتى في العوالم غير المكتشفة يمكن تسميتهم خبراء كونيين…

ومثلما هناك تل ومزرعة وقرية منسية في حضن سهل هادئ تغدو فجأة استراتيجية ويجب أن يدرس الاستيلاء عليها /تحريرها في الأكاديميات العسكرية العالمية عندما يستولي عليها/ يحررها طرف ما، صار هناك كثير من الناس الوادعين الذين لا علاقة لهم بالعير أو البعير خبراء دوليين استراتيجيين لهم رأي في أهم القضايا العالمية والعلاقات الدولية والكونية.

أهم ميزة لهؤلاء الخبراء أنهم يعرفون ما يقوله الرؤساء في اجتماعاتهم الخاصة والعائلية وكأنهم كانوا بينهم، وحتى لو كانوا على بعد آلاف الكيلومترات.

الميزة الثانية والتي يمكن أن تأتي على درجة واحدة بالأهمية مع الميزة الأولى هي قراءة هؤلاء للمستقبل. طبعاً هم لا يقرؤون مستقبلهم ومستقبل أولادهم وعائلاتهم، بل يقرؤون مستقبل زعماء العالم، وما سيقوله هؤلاء الزعماء قبل أن يقولوه، ومواقفهم قبل أن يتخذوها، وما ستؤول إليه القضايا الكبرى.

المدهش أن ما يقوله هؤلاء يغدو بعد فترة وثائق معتمدة في التحليل الاستراتيجي والسوبر استراتيجي لكبريات الصحف ووكالات الأنباء العالمية.

لعل زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى موسكو، واجتماعه المغلق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نموذج غاية في الوضوح لمعرفة هؤلاء البحاثة الخبراء الاستراتيجيين. فكل ما تم إعلانه رسمياً حول ذلك اللقاء هو أن الطرفين بحثا القضية السورية بالتفصيل، ولكنهما بقيا مختلفين حولها، واتفقا على إحالتها إلى لجنة مخابراتية عسكرية دبلوماسية لدراستها.

كانت مدة الاجتماع ساعتين ونصف، وإذا أردنا أن نفكر بالمنطق فإن مناقشة أمر بالتفصيل، وعدم الاتفاق على شيء في هذا الأمر، وقول كل جملة مرتين بسبب الترجمة لعدم وجود لغة مشتركة بين الرئيسين، وفي الوقت نفسه الاتفاق على تشكيل لجنة لدراسته يمكن أن تشغل فترة طويلة جداً من المحتمل أن تصل إلى ساعتين ونصف، وهكذا هناك احتمال يتفق الخبراء الاستراتيجيون الدوليون كافة على استبعاده، وهو أن تصريح الرئيسين يمكن أن يكون صحيحاً، وليس هناك أمر آخر ناقشاه أو اتفقا عليه في القضية السورية.

لو جمعنا ما قيل حول ذلك الاجتماع، والاتفاقات المعقودة بين الطرفين، والعمليات العسكرية التي ستتم، والتي تمت، والخرائط التي رسمت، والأفكار التي طرحت، لاحتجنا إلى ملف وورد تبلغ سعته عشرات الميغابايتات… بمعنى آخر آلاف الصفحات. وطبعاً هنا نحن مضطرون لاستبعاد الجدل بين هؤلاء الخبراء السوبر استراتيجيين حول أي منهم هو الأصدق والأدق لأننا في حال تناولنا هذا النوع من الجدل سنحتاج إلى ملف يبلغ مئات الميغابايتات وليس عشرات، وسنحتاج إلى سنوات من أجل حصر تلك الإبداعات.

ذات مرة سئل شخص ظريف فقير يدعى أبو سلطان ويكسب عيشه من بيع الليمونادة المجمدة عن سبب اختياره أسماء أولاده وهم إضافة إلى سلطان ملك، وأمير، فقال: “الاسم ببلاش، لو كان بمصاري، لأسميتهم خرا حشا السامعين”…

بما أن الألقاب ببلاش فكل شخص أصبح يختار اللقب الذي يرضي غروره ومرضه، ويطلقه على نفسه ويطلق درره هنا وهناك. وفي الحقيقة أن هؤلاء لا يختلفون عن ضيوف المحطات التلفزيونية اللبنانية بين فترة وأخرى، وخاصة في سهرة رأس السنة، ويقدمون توقعاتهم ونبوءاتهم للمستقبل، وهم ليسوا خبراء استراتيجيين، بل أقصى ما يمكن وصفهم به هو “منجمين استراتيجيين”. وحاشاهم عن الاسم الذي اقترحه أبو سلطان لو كان الاسم ببلاش.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *