الرئيسية / رأي / سمر يزبك تقاوم بالهزيمة العارية

سمر يزبك تقاوم بالهزيمة العارية

صدى الشام _ ميسون شقير/

الاعتراف بالهزيمة، الهزيمة الصادمة والعارية، الاعتراف الكامل والواضح والعلني بها، تفكيكها، محاولة فهمها، فتح الذراعين لها كاملين كما نفتحهما للانتصارات الكبيرة، برأي الكاتبة السورية سمر يزبك، والذي يظهر كثيرا في إصدارها الأخير، الدخول في بوابات العدم، هو أفضل طريقة لمواجهة هذه الهزائم، هو المرحلة الأولى الحتمية التي تجعلنا نفهم حقيقية وضعنا، وبالتالي تجعلنا نفهم أنفسنا أكثر، وعندما نعي أنفسنا أكثر قد نستطيع إعادة بناء بعض ما تهدم فينا بطريقة أمتن وأصلب، وبطريقة قادرة على الاستمرار وببنية قادرة على مواجهة الزلازل التي هزتنا، والتي جعلت كل شخصياتنا ووعينا وأحلامنا تنزاح كثيرا عن مواقعها الصلبة التي كنا نقف عليها، وسيجعلنا أيضا نحاول مقاومة كل تلك الزلازل القادمة، والتي سنواجهها نحن السوريين جميعا، وقد وضعنا هذا العالم على خط الصدع البشري الأكبر، الصدع الذي شكله كل هذا العالم فينا، والذي دون أن يعرف سيجعل حمم القاع تنفجر في براكين تحمل نار قهرها ومقذوفات حقدها وتلقيها على هذه الأرض.

في الدخول إلى بوابات العدم، تدخل سمر يزبك بكل جرأة إلى كل عوالم الشر الذي حولنا، والشر الذي عكسه هذا الشر فينا، تحليله، تحليل أسباب ظهوره، فهمه على أنه نتائج وليس أسباب خلقية، وذلك من خلال تقديمها لحالة سرقة الثورة من نفسها، ولحالة التحول الذي فرضه العنف المطلق الذي أطلقه النظام عليها كسهم معبأ بالسم، ودرست عمق هذا التحول بكل حقيقية وشفافية، محاولة فهمه دون عرض شعاراتي جاف يحمل كل هذه النتائج فقط لجهة واحدة ولا يدرس حجم وعمق هذا الانهزام الكامل والدمار الحقيقي في قلب شخصياتنا على اختلافاتها.

تدرس يزبك التحول باتجاه الانغلاق الديني في مجتمع كان الأكثر تأهلا للقيام بنهضة فكرية ولقبول مبادئ التعددية، كما تدرس سمر تحولنا إلى شخصيات عنيفة تقيم بردود أفعالها التي باتت تبنى على الكره والحقد بسبب العنف والظلم العارم، وكيف أننا بتنا نجد في هذا التحول المعادل الوحيد، والذي هو بجوهره معادل خاطئ ومدمر، صرنا نجده المعادل الوحيد الأسهل الذي يعيد لنا بعضا من توازننا الوهمي والذي يحمينا مع حالة مواجهة الذات الأصعب، فدائما الكره أسهل كثيرا من حمل الحب، كما أن لوم الآخر المطلق أسهل وأريح بكثير من لوم ذواتنا ووضعها على طاولة السؤال.

بنفس الوقت تصر سمر كعادتها بتقديم تلك الثوابت الضوئية، الثوابت الإنسانية والأخلاقية التي قامت عليها حركة الاحتجاجات السلمية الأولى في الشارع السوري بمختلف تنوعاته الثقافية والمادية والطائفية والعرقية، والتي تنباها الجزء الأكبر من المجتمع السوري، والتي كانت وما تزال ثوابت ذات بعد حضاري حقيقي، والتي أصبحت أيضا ذات بعد أسطوري بما قدمه هذا الشعب من ملاحم إنسانية حقيقية، إذ تراهن يزبك على هذا الإرث فينا، والذي قد يكون المنقذ الوحيد لنا، والذي به وبهذه الثوابت فقط، قد نستطيع أن نعمر ذواتنا، مجتمعنا، بلادنا، وحياتنا، بكل هذا الخراب، الخراب الذي بات يدخل بكل مفاصلنا، ويصنع منا هياكل مفككة، متفمصلة بطريقة خاطئة، طريقة تجعل حركتنا مربكة وغير قادة على الوصول للاتجاهات التي نريد أن ندير إليها هذا الحلم.

دخلت سمر يزبك في كتابها الأول عن الثورة، والذي سمته تقاطع نيران، منطقة النار بكل ثبات ووعي لهذا الدخول، دخلته بكل الثقة التي رفعنا بها أصواتنا في تلك الشوارع والساحات، الثقة بعدالة ما قلناه للهواء الذي يحيط بهذه الأرض، الأرض التي خذلت هواءنا لأنه جعلك هواءها المقولب والمغلق.

في تقاطع نيران، أرشفت ووثقت يزبك لشهادات الناشطين في الأشهر الأولى من الثورة، محاولة توثيق هذه الثوابت ووهذه الملاحم الإنسانية ضمن نقل صادق وعفوي لهذه الشهادات. ولم يزل تقاطع نيرانها هذا يحمي نارنا الأولى من الانطفاء.

لكنها هنا، في الدخول إلى بوابات العدم، تعلن لكل العالم العدم الذي بات يشهق فينا، وتعترف بهزيمتنا العارية، لعلنا نستطيع أن نستر بعريها عري تخلينا عن حريتنا الحقيقية، وعري تخلينا عن عمقعنا الإنساني حين يتنافى هذا العمق مع ما تقوم به الجهة، لم نعد نستطيع إلا أن نكون معها، لأننا فعلا مظلومون ومهزمون وعارون حتى القلب.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *