حسام جبلاوي
يبتعد أبو محمد عن حرس
الميناء خطوتين إلى الوراء، يتأمل بنظرة طويلة مركبه الخشبي الراسي على بعد أمتار
منه، ثم يعاود التساؤل متجها ببصره صوب الحرس معترضا: هل هذا القرار نهائي ودائم
أم مؤقت؟ كيف يمكن أن يصدر هكذا قرار؟ إنه يعني نهايتنا! يستمر الرجل الخمسيني في
طرح الأسئلة حتى قبل أن يجيب عليه أحد، ماذا سأعمل بعد اليوم؟ ومن سيشتري مني هذا
المركب؟ لا حاجة لي به بعد اليوم.
أسئلة كثيرة وجدت مقابلها
وجوها امتلأت بالغيظ والتأفف، لتنتهي أخيرا بالصراخ على العم “قلنا لك ممنوع
الصيد في الليل. اذهب من هنا، هيّا”.
يمضي أبو محمد خارج الميناء
وقد بدأت الأفكار تتقلب في رأسه، ماذا سأعمل بعد هذا العمر وكيف سأطعم أسرتي
المكونة من خمسة افراد؟ هل يمكن أن أقوم بالصيد في النهار فقط وأربح؟ أسئلة كثيرة
لم يجد لها أجوبة حتى على فراشه وقد وضع يده تحت خده الأيمن بعد أن جافاه النوم.
الحكومة تمنع الصيد
ليلاً!
“كان القرار الأخير الذي
اتخذه النظام السوري بحق الصيادين في اللاذقية مجحفا وظالما”، هكذا يقول
الرجل الخمسيني، وقد بدت نبرة الحزن في صوته، “فكيف تمنع السلطات الصيادين من
الخروج ليلا في قواربهم وهم يعلمون أن الصيد لا يكون في الغالب إلا ليلا؟!”،
يتساءل باستغراب. ويضيف: “منذ مدة، حدد لنا حرس الموانئ وقت الصيد بألا يتجاوز
غياب القارب عن الميناء أكثر من 16 ساعة، وأن يبقى على بعد لا يزيد عن 6 ميل طولا،
وعندها أحسننا بالضرر الذي ستلحقه بنا هكذا قرارات. أما اليوم، فأعتقد أنّ هذا
القرار الأخير سيوقف هذه المهنة تماما. وكثير من الصيادين لن يتابعوا العمل.
فبحساب بسيط سيتكلف الصياد يوميا 15 ليترا من المازوت،
أي ما تكلفته 2500 ليرة، للصيد مدة 9 ساعات فقط (أقصى حد يسمح للصياد الخروج به
يوميا). ومن المعلوم لدى الجميع أن الصيد ينخفض في النهار، ولا يستطيع
الصياد من خلاله تغطية هذه النفقات. فكيف تتخذ السلطات مثل هذه القرارات! ولمصلحة
من؟”، يتساءل أبو محمد بتعجب، ليمضي في شرح قضيته بالقول: “لا يوجد من
يدافع عن مصالحنا. يكفي أن يصدر رجل أمن مثل هذا القرار ليقطع رزق مئات العائلات
ويزيد من معاناتها”.
وعن سبب اصدار هذا القرار
وكيف تم تبريره، يقول أبو محمد أنّ “حماية
الثروة السمكية هو العنصر الأساسي الذي استندت عليه سلطات الميناء. في حين أن
السبب الرئيسي الذي يعتقد أنّه وراء القرار هو “خشية الأمن من قيام الصيادين
بالتهريب. أو لربما حماية الحواجز الأمنية المنتشرة على طول الكورنيش البحري قرب
الميناء”. وجميع هذه الأسباب، حسب رأيه، غير منطقية وتفتقر إلى
الصواب.
حرب على الصيادين
يعتقد أبو محمد أنّ
“الحرب على الصيادين -كما يسمها- لم تبدأ اليوم، بل منذ بداية أحداث الثورة السورية.
حيث عاملت السلطات الصيادين كتجار أو سيّاح، ولم
يشملهم قرار دعم المحروقات الذي يقضي بتقديم المازوت المخفض لهم والذي شمل جميع
مؤسسات الحكومة، رغم أنّ زوارقهم حاصلة على تراخيص من وزارة الزراعة (فرع الثروة
السمكية)”.
بالإضافة لذلك، يعاني
الصيادون أيضا، بحسب أبو محمد، من “جشع وتسلط تجار السمك في الساحة، حيث
يفرضون علينا الأسعار ويهددونا دوما ببيع السمك المثلج المستورد من قبل الدولة،
والذي ينخفض سعره كثيرا عن قيمة السعر الحقيقي للسمك الطازج. ولا يوجد أي داعم لنا
في هذه الحرب الطويلة معهم؛ فلا رجال التموين بصفنا، ولا قرارات الاستيراد، ولا
خطط الدولة، ولا رد على الشكاوى التي تقدمنا بها لمديرية الموانئ ووزير الاقتصاد
للنظر في أوضاعنا”.
حمى الغلاء
تشهد أسواق اللاذقية اليوم
انخفاضا واضحا في أصناف السمك (البوري، المرمور، الجروش، البراق، البلميدا
والسرغوس) وارتفاعا كبيرا في أسعاره، حيث يصل سعر
الكيلو الواحد لبعض هذه الأصناف إلى 2000 ليرة، في حين لا يتعدى سعر الكيلو لبعض
أصناف السمك المثلج المستورد 800 ليرة، علما أن متوسط دخل الفرد في اللاذقية لا
يتعدى 20000 ألف ليرة شهريا (أقل من مئة دولار). وهذا ما جعل من وجبة السمك الطازج
حلما بعيد المنال لبعض الأسر.
يعتبر الساحل
السوري من أفقر الشواطئ بالأسماك. ويعزو الصياد الخمسيني، الذي
أمضى نصف عمره في هذه المهنة، ذلك إلى عوامل عديدة منها “الجهل، الصيد الجائر
وغير المشروع من خلال المتفجرات، عدم وجود قوانين للصيد، غياب الخطط الحكومية،
وبدائية الأدوات والمراكب، فقر سوريا بأساطيل الصيد الحديثة، عدم وجود تنظيم
للكوادر العاملة بهذا المجال وتخبط القرارات”.
واليوم يعرض أبو محمد قاربه
للبيع وقد قرر ترك مهنة أجداده دون أن يجد عملا بديلا أو مهنة يعيل بها أهل بيته
تناسب شيب شعره الأبيض، لكنّ الأكيد أنّ الأبواب أغلقت في وجهه، وهو يأمل بتغيير
جذري في أوضاع بلده ومهنته، علّه يكون قريبا.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث