سكان الغوطة الشرقية منذ ثلاث سنوات وهم يعانون الجوع والظلم، ويتمسكون بأبسط أمل
قد يلوح لهم في الأفق ليخلصهم من مأساتهم. أملٌ أصبح اليوم يضيق أكثر فأكثر على
أبناء الغوطة، بعدما أصبحوا ممنوعين من التقدم للامتحانات التي اعتادوا التقدم لها
كل سنة رغم الحصار سعياً منهم لمستقبل أفضل.
كانت القيادة العسكرية
الموحدة في الغوطة الشرقية بريف دمشق بزعامة “زهران علوش” قد أصدرت
بياناً منعت فيه طلاب الشهادتين الثانوية والإعدادية (التعليم الأساسي)، الخروج من
الغوطة لتقديم امتحاناتهم. أمرٌ قابله الكثير من الأهالي بالاستياء، بينما اختلف
البعض بين مؤيد للبيان ومعارض له.
شهادة غير معترف
بها
بررت القيادة
العسكرية قرارها بخوفها على الطلبة “تحسباً من اعتقالهم من قبل قوات النظام
السوري من أجل إلحاقهم بالخدمة العسكرية الإلزامية”. هذا
ما يراه “حسام”، وهو من سكان دوما، “سبباً معقولاً”، على حدّ
قوله، “فالنظام مستمر باستخدام الطلاب والطالبات في صفقات تبادل الأسرى،
والتجنيد الإجباري، وحتى من أجل طلب فديات مالية من أهاليهم، دون أن يكترث لمستقبلهم”.
ويشاركه “أبو هيثم”، وهو أب لأحد الطلاب، هذه المخاوف قائلاً: “لقد
اعتقل النظام العام الماضي العديد من الطلاب، ومنهم من أخذ إلى الجيش النظامي على
حدّ علمي. قد يعتقل ابني على أحد الحواجز فقط بسبب هويته”. ويضيف:
“أتمنى لابني المستقبل الأفضل، لكني لن أرمي به في حضن عدوّي، ولو كان ذلك
على حساب دراسته”.
وتحدث البيان
أن “الشهادة في الغوطة الشرقية معترف بها في سائر المناطق التي تسيطر عليها
المعارضة المسلحة. فلا داعي لذهاب الطلاب لتقديم الامتحانات في مناطق الدولة السورية.
كما أنها لن تسمح لأي حكومة قادمة برفض شهادتهم”.
يقول “أحمد”، وهو أحد المعلمين في الغوطة: “كيف لأبنائنا أن يثقوا
بهذا الكلام؟ وما هي الضمانات؟ حتى لو تقدم الطلاب للامتحانات هنا، فلن يستطيعوا
دخول الجامعات”. مشيراً إلى أن “الشهادة في مناطق المعارضة غير معترف
بها في أي مكان، وحتى في تركيا كما يدّعون. أما شهادة الحكومة السورية لا تزال
تتميز بالاعتراف بها”.
وتجدر الإشارة إلى أنه، وحسب
بيان القيادة العسكرية نفسه، فإن “عدد الطلاب في
الغوطة الذين سيتقدمون الامتحانات يزيد عن 2500 طالب وطالبة، بينهم نحو 250 طالبا في
سن الخدمة الإلزامية”.
أبناء الغوطة بين
أحلام المستقبل وقسوة الواقع
حالة من الإحباط واليأس سادت
بين العديد من الطلاب والذين استطاعوا أخيراً، وبعد طول عناء، التسجيل للامتحان في
دمشق، لتذهب جهودهم أدراج الرياح. هذا ما تؤكده “ربا” قائلة: “قدمت
في العام الفائت بكالوريا علمي في المدارس التابعة للتربية في الغوطة الشرقية،
وحصلت على علامات عالية غير أنني لم أستفد منها شيئاً. فليس هناك جامعات داخل
الغوطة، كما أن هذه الشهادة لا تقبل خارجها، وهو ما دفعني هذا العام للتقدم للامتحان
في دمشق”. وتتساءل: “هل بقاؤنا دون تعليم يخدم بلدنا والثورة ومستقبلنا؟
أليس من واجبهم مساعدتنا للحصول على التعليم بدل منعنا؟ أليست المدارس والجامعات
ملكاً للشعب وليست ملكاً لعائلة الأسد؟”. كما تنفي أم ربا أن يكون هذا الأمر لمصلحة
ابنتها وتقول: “يمكن لابنتي أن تخرج وتعود كما فعل الكثيرون العام الماضي.
يكفينا القتل والحصار وتدمير حياتنا ومستقبلنا من قبل النظام، ليأتي هذا القرار
ليكمل على ما تبقى لأبنائنا من فرص”.
ورغم تحرّر أهل الغوطة من
قبضة نظام الأسد الأمنية، إلا أن الحال لم يصبح أفضل بكثير. فهم لا يجرؤون على
معارضة قرارات القيادة. هذا ما أكّده “محمود” بقوله: “لا يجرؤ أحد على التظاهر ضد القرار خوفاً من أن يتم اعتقاله
وزملائه، والتهمة جاهزة (عملاء للنظام)”، حسب تعبيره.
فرصة للخروج من
الحصار
لم يكن “هشام”
حزيناً تماماً عندما رسب العام الماضي بعد خروجه إلى مدينة جرمانا في ريف دمشق
لتقديم امتحان الصف التاسع. فحسب قوله “لم تكن أولويته النجاح وحسب، وإنما
القضاء على الجوع الذي يلتهمه منذ زمن طويل”. يقول هشام: “خرجت أنا وأمي
العام الماضي، ورغم أننا أمضينا الفترة في مدرسة، فقد تذكرنا كيف يعيش البشر وكيف
يأكلون بعدما كنا قد سئمنا من خبز الشعير”. ويضيف هشام: “كنت أتمنى
النجاح السنة والخروج من هذا الحصار ولو لوقت قصير لكنهم قضوا على آمالي”.
يذكر أنه، وحسب منظمة الأمم
المتحدة، هناك ما يقارب 700 ألف مدني موزعون على 46
بلدة في الغوطة الشرقية، يعانون من نقص الغذاء والأدوية، ويعيشون في ظروف إنسانية
مترديّة.
أهل الغوطة يتحدّون المقولة
الشهيرة “البطون الخاوية غير قادرة على التفكير”. فالجوع والقتل لم يوقفهم
عن التفكير بالعلم والنجاح، ولكن يأبى محاصروهم من الخارج والداخل إلا أن يغلقوا
عليهم منافذ العيش الكريم والطموح بغدٍ أكثر إشراقاً.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث