الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / القلمون ونهاية دور حزب الله الإقليمي

القلمون ونهاية دور حزب الله الإقليمي

د. بشار أحمد

يدور حديث كبير في الآونة الأخيرة عن أهمية معركة القلمون
ودورها في رسم خريطة القوى والنفوذ المستقبلية التي قد تتمخض عن أي حل سياسي يتم
التوصل إليه مستقبلاً بين النظام السوري من جهة، والثوّار من جهة أخرى.

فهذه المعركة، التي بدأت إعلامياً قبل أن
تبدأ ميدانياً، تضع العديد من التصورات حول مستقبل القوى الداخلة في هذه المعركة،
وربما يكون التصوّر حول مستقبل ميليشيا حزب الله في هذه المعركة هو الأوضح بالنسبة
لبقية القوى، بعد أن أضحت كفّة الميزان راجحة في الكثير من المناطق السورية لصالح
قوى الثورة، التي توحّدت في الشمال والجنوب تحت مسمّى جيش الفتح، الذي استطاع تحقيق
انتصارات وصفت بالاستراتيجية.

مما لا شك فيه أن منطقة القلمون، وبسبب
موقعها الجغرافي، تعد منطقة استراتيجية وهامة للنظام السوري ولميليشيا حزب الله. فهذه
المنطقة، التي تمتد من غوطة دمشق الغربية جنوباً الى ريف حمص وسط سورية شمالاً، تشرف
على الطريق الدولي المعروف باستراد دمشق-حمص، والذي يربط المنطقة الجنوبية
بالمنطقة الوسطى والساحلية، كما أنها تقع على الحدود مع القرى اللبنانية الموالية لميليشيا
حزب الله في عرسال والبقاع، وبالتالي فإنها تشكل منفذا مهما للنظام وميليشياته من
وإلى لبنان، وهو ما يجعل من معركة القلمون معركة أساسية ومهمة للنظام ولحزب الله للحفاظ على التواصل بين دمشق
والساحل من جهة، والتواصل بين العمق اللبناني ودمشق من جهة أخرى. وهو ما يدفع
للقول أن أبعاد معركة القلمون تتخطى الجغرافية الضيقة لمنطقة القلمون نفسها، لتمتد
جغرافياً وجيوسياسياً لتشمل كامل الأراضي السورية واللبنانية، ومنها إلى رقعة
جغرافية إقليمية تمتد لتشمل العديد من دول الشرق الأوسط. كل ذلك بفعل التدخلات
الكبيرة والتصورات العديدة التي توضع لمستقبل سورية ومستقبل القوى الداخلة في
الحرب السورية، بدءاً بالجيش النظامي للأسد ومروراً بميليشياته الطائفية، ومنها
ميليشيا حزب الله، وانتهاءً بقوى الثورة السورية.

أبعاد معركة القلمون تتخطى
الجغرافية الضيقة لمنطقة القلمون ، لتمتد جغرافياً وجيوسياسياً لتشمل كامل الأراضي
السورية واللبنانية والعديد من دول الشرق الأوسط

ومن حقائق الأمور المتعلقة بمعركة القلمون
هو مدى التهويل الذي سبق انطلاق هذه المعركة، وكأنّ هناك من تعمّد ذلك من باب التضليل
أو من باب الرهانات. لكن من يعرف تضاريس هذه المنطقة جيداً يدرك الحقيقة التي تقول
بصعوبة المعركة وصعوبة السيطرة فيها، وخاصةً بالنسبة للنظام وميليشيا حزب الله، وفي
هذا الوقت بالذات. وهو ما يمكن إرجاعه إلى مجموعة من العوامل والأسباب، أوّلها توحّد
كتائب الثوار في القلمون، والمكونة من ثمانية عشر فصيلاً تحت قيادة واحدة سميّت
جيش فتح القلمون، واتّباعها تكتيكات جديدة ضد ميليشيا حزب الله تقوم على حرب الاستنزاف
من خلال شن هجمات سريعة وخاطفة، الهدف منها إيقاع أكبر عدد ممكن من الخسائر البشرية
في صفوف الميليشيا وقوات النظام
.الأمر الذي أربك ميليشيا الحزب وجعل مهمتها في القلمون صعبة
جداً، إن لم نقل مستحيلة. وتأكد هذا الأمر بعد أن استطاع الثوار إعادة السيطرة على
قمّة موسى الاستراتيجية بعد احتلالها من الحزب لثلاثة أيام فقط، الأمر الذي دفع
حسن نصرالله، الأمين العام للحزب، بإطلالته الأخيرة، للاعتراف بأن معركته في
القلمون قد تطول لفترة زمنية كبيرة.

ثاني هذه العوامل هو اتخاذ جيش الفتح من
التلال والجبال مواقع له بعيداً عن البلدات والقرى حتى لا تتعرض للخراب والقتل
والتهجير، وهو ما جعل الحاضنة الشعبية متماسكة وراءه وقادرة على إمداده بكل ما يحتاجه. مقابل
حالة تململ كبيرة تمر بها حاضنة الحزب بعد تزايد عدد قتلاه، والتي بلغت أكثر من
مئة قتيل في أقل من ثلاثة أسابيع من بدء معركة القلمون، وضمّت مجموعة من القادة أهمهم علي خليل عليان، قائد العمليات العسكرية في
القلمون، وخلفه توفيق النجار، الذي لقي مصرعه بعد ساعات من مصرع الأول. الأمر الذي
أحدث حالة كبيرة من التخبط والارتباك تزايدت تداعياته مع تقدم سير المعارك
في القلمون وازدياد خسائر ميليشيا الحزب التي تقاتل في أرض ليست أرضها ولا تعرف
جغرافيتها، على عكس الثوار الذين يعرفون جغرافية المنطقة بشكلٍ كبير، الأمر الذي
يمكنهم من امتلاك زمام المبادرة بالهجوم والتحرك بحرية في جرود القلمون ونصب
الكمائن.

حالة تململ كبيرة تمر بها
حاضنة حزب الله بعد تزايد عدد قتلاه، والتي بلغت أكثر من 100 قتيل بأقل من ثلاثة
أسابيع، بينهم قائد العمليات العسكرية في القلمون

كل ما سبق يدلل على أن ميليشيا حزب الله لم تعد قادرة على خوض معركة القلمون بالأريحية
نفسها التي خاضت بها معركة القصير
من
قبل. لأن منطقة القلمون منطقة شاسعة ومترامية الأطراف، وليست موقعاً محدداً
كالقصير يمكن السيطرة عليها بالوجود العسكري المباشر.

فالمعركة التي تم تضخيمها إعلامياً من
الحزب وقنواته، هي معركة خاسرة. وخاصةً بعد سلسلة الهزائم التي منيت بها ميليشا
الحزب وقوات النظام في الشمال والجنوب السوري، وفشلها في فك الحصار على قريتي نبل
والزهراء في ريف حلب. فهذه الميليشيا، التي خسرت معركة الجنوب بعد أن اعتبرتها
معركة مفصلية، ستخسر معركة القلمون أيضا، والتي اعتبرتها استراتيجية، لتكون هذه
المعركة إنهاء لدور حزب الله الإقليمي وقطع يده العابثة في التراب السوري، من خلال
قطع تدخلاته السافرة باسم المقاومة، ومن خلال قطع أذرع إيران التي تمتد كالأخطبوط
لتعبث بأمن العديد من الدول العربية.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *