الرئيسية / تحقيقات / مراكز الإيواء في مناطق النظام.. تفرقةٌ عنصرية.. وحرمانٌ على كافة الأصعدة

مراكز الإيواء في مناطق النظام.. تفرقةٌ عنصرية.. وحرمانٌ على كافة الأصعدة

طال قصف النظام الهمجي كافة أرجاء المدن والبلدات السورية، ونتج
عن ذلك ملايين المهجّرين ومئات الآلاف من الضحايا والجرحى، الذين لم يستطع معظمهم أن
تكون وجهتهم أبعد من مناطق سيطرة النظام. فالعديد من العائلات باتوا دون أي معيل يتكفلهم،
فلم يرافقهم سوى ما يرتدوه من كساء وما يحتفظون به من ذكريات. ومع ازدياد أوضاع المهجّرين
سوءا تدخلت المنظمات الدولية وطلبت من قوات النظام فتح مراكز لإيواء النازحين مع تقديم
دعم مادي لا محدود له، فسارعت الأخيرة بتنفيذ مطالب الأولى لكن على طريقتها…كانت
حالة المراكز شبيهة بمراكز الاعتقال الجماعية، تخللها التفريق العنصري وسوء العناية
الطبية وحرمان من حصص المواد الغذائية المخصصة.

خالد السباعي ـ صدى الشام
بدأت رحلة المهجّرين مع القتل وتدمير المنازل ومن ثم هجرتهم، التي انطلقت من افتراش
الحدائق والشوارع والساحات، حالمين بواقع أفضل. لكن توقعاتهم باءت بالفشل فتحملوا الجوع
والفقر والحرمان والبرد والحر، وذاقوا أقسى أنواع العذاب والعنصرية من قوات النظام،
كما تعرضوا لأشد أصناف الضغوط النفسية. فلا يكفيهم أن النظام كان السبب الأول في تشريدهم
وقتل ذويهم، بل أنشأ هذه المراكز لتكون بمثابة سجون جماعية.

أعداد الأسر المهجرة المقيمة في مراكز الإيواء في المحافظات الأربع
عشرة، حسب التقرير الوارد من وزارة الشؤون الاجتماعية التابعة لنظام الأسد، هو
350.177 أسرة.
وبالنسبة إلى عدد الأفراد المهجرين الوافدين والمنتشرين في المحافظات والمقيمين
خارج مراكز الإيواء في الأحياء والبلدات والقرى فقد وصل إلى 5.878.319 شخصاً.

مشاهد مزرية إنسانياً

إن حالة مراكز الإيواء تتعدى السوء وتصل إلى الكارثة إنسانياً، بسبب تواجد
أعداد كبيرة من النازحين في أماكن غير مجهزة بالقدر الكافي لاستضافتهم. فلا يوجد
شيء يسمى بالخصوصية، كالنوم في غرف مستقلة أو وجود حمامات خاصة أو مطبخ خاص. كما
أن ظروف المعيشة اختلفت عما كان قبل دخول ما يسمى بمركز الإيواء، فظروف المعيشة ودخل
الأسرة وظروف السكن والعمل والعلاقات مع الجوار وتدريس الأولاد هي أسوأ بكثير مما
كانت عليه قبل دخول المركز. ناهيك عن قلة كمية المواد الإغاثية المقدمة، فلازال
الوافدون بحاجة لكميات أكبر من الأكل والملابس ومواد النظافة والأدوية، وتنقصهم الرعاية
الغذائية والصحية والنفسية والاجتماعية.

السيدة إلهام محمد، المقيمة في مركز لبانة المحدثة بمنطقة المهاجرين بدمشق
مع ولدين بعمر الأشهر، تقول: “إن الأطفال في هذا المركز يعانون من نقص واضح في
مادة الحليب. فهم لا يحصلون سوى على علبة حليب واحدة كل شهر، علماً أن كل طفل يحتاج
إلى علبة في الأسبوع على الأقل. كما لا توجد حفاضات للأطفال غالباً، وإن وجدت فلا تكون
بالمقاسات التي تناسب المراحل العمرية للأطفال”.

“يوجد في المركز مطبخ واحد فيه طباخ يقوم بطهي طعام وجبة الغداء فقط،
والذي يكون في الغالب مكونا من الرز أو البرغل فقط. أما بقية الوجبات (فطور وعشاء)
فهي على حساب ونفقة النازحين”. هذا ما كشفته السيدة (ع.ك)، المقيمة في مركز
إيواء جرمانا. فيما قال السيد محمد الحاج عن المركز ذاته: “البرد قد نخر عظامنا
أثناء العاصفة الثلجية التي مرت بالمنطقة، ولا يوجد أي وسيلة للتدفئة. بالإضافة إلى
انقطاع الكهرباء لمدة شهرين في الشتاء في المركز، مع العلم أنه تم إصلاح أعطال الكهرباء
في مختلف أحياء جرمانا وبقيت كهرباء المركز بدون إصلاح”.

بينما توضح السيدة هناء اسماعيل، المقيمة في مدرسة الكسوة المختلطة، أنها
“تسكن مع عائلتها المكونة من تسعة أشخاص في غرفة الصف التي تحولت إلى غرفتين تسكن
فيها عائلتان كبيرتان. وقد يبلغ عدد القاطنين في الغرفة 17 شخصا أو أكثر، وهي مقسومة
بجدار خشبي رقيق، يحجب الرؤية فقط. لذلك فكل الأحاديث مسموعة. وهذا كان السبب في نشوب
خلافات فيما بين القاطنين هنا”.

الملفت للنظر ظهور بعض حالات العمالة بين أطفال المركز، حيث يعمل عمار،
ذو العشر سنوات، في بيع بعض المساعدات على أحد الأرصفة المجاورة. ويقول إن المردود
مناسب لشراء بعض الحاجيات التي لا تقدمها المراكز. في حين يؤكد الطفل عماد المصطفى،
11 سنة، بأنه يعمل في أحد البقاليات ويقوم بتوصيل الطلبات. ويقوم في كثير من الأحيان
بحمل جرار الغاز إلى المنازل.

تفرقةٌ عنصرية….

أعربت السيدة ميساء الغازي عن خوفها وقلقها من العودة إلى افتراش الحدائق
مرة أخرى، لأن مسؤولي المركز لن يسمحوا لها بالبقاء أكثر من ثلاثة أشهر. بينا كشف السيد
إيهاب الحمصي أنه عندما قدم لمركز إيواء جرمانا مساعدات متمثلة بثياب مستعملة، رُفضت
مساعدته من قبل المركز. وهذا ما أكده أيضاً التاجر الدمشقي (ش.ي)، الذي أوضح أن محافظتي
ريف دمشق ودمشق، وبالتنسيق مع مسؤولين أمنيين، تمنعان توزيع أي إعانات ضمن المراكز
دون موافقتها والتنسيق معها. وذلك لضمان الحصول على حصة مما يتم توزيعه. حيث تم رفض
الكثير من العروض المقدمة من تجار ورجال أعمال. ويذكر الناشط الإغاثي، وائل من
جرمانا، أن “إدارات دور الإيواء تمنع الجمعيات الخيرية والأفراد من أهالي المناطق
التي تقع فيها من تقديم المساعدات من أي نوع. لا بل وقامت الأفرع الأمنية باعتقال العديد
من أصدقائي بتهمة تمويل الإرهاب، لمجرد أنهم قدموا بعض القرطاسية للأطفال المقيمين
في الدور الواقعة في جرمانا”. يصف وائل تلك الممارسات بالخطة الممنهجة،
“الهدف منها منع حالة الوحدة الوطنية، لأن غالبية سكان مدينة جرمانا من المسيحيين
والدروز. وكذلك الايحاء لساكني دور الإيواء بوجود حالة نبذ شعبي لهم من قبل أهالي المدينة،
حيث منع مدير دار الإيواء في الملعب البلدي لجرمانا ساكني الدار من التجول في الأحياء
المجاورة أو الجلوس على مدرجات الملعب المطلة على تلك الأحياء، بحجة أنهم يزعجون الجوار،
وتحت طائلة الطرد من الدار”.

أزماتٌ نفسية.. وغذائية

توضح الأخصائية النفسية، لبانة عواد، أن وضع مركز الصالة الرياضية في
اللاذقية سيء للغاية من الناحية الاجتماعية، “فالأفراد يعانون من تواجد مفاجئ
لأشخاص غريبين بينهم، ما يخلق لديهم صعوبة التعايش مع تقاليد وعادات مختلفة عنهم. فهم
بحاجة لأن يربوا أولادهم دون تدخل الغرباء بعملية التربية، إضافة لحاجتهم للخصوصية
أكثر”. كما أكدت أن الأطفال يعانون من ضيق المساحة ومن الملل والهدر، وبعض الأحيان
عدم الحصول على التعليم أو الاستمرار به. بينما شرح لنا الأخصائي النفسي، شرف يونس:
“تظهر لدى النازحين مشاعر الفقد والحزن والتوتر والقلق والكآبة والخوف والضياع
والحنين والفراغ”.

ومن الناحية الغذائية، تقول السيدة عليا المهدي، والتي تقطن في مركز إيواء
الصالة الرياضية في اللاذقية: “يوجد نقص كبير في المعونات التي يمكن وصفها بأنها
شبه معدومة. حيث يتم توزيع سلة غذائية كل شهر ونصف الشهر، وهي لا تكفي أكثر من أسبوعين”.
في حين يؤكد السيد (ه. ط)، في ذات المركز، أن “المواد الموزعة هي العدس والبرغل
والمعكرونة والسكر. وقد تم إلغاء الشاي ودبس البندورة من قائمة المعونات”. مبيناً
أن الناس يتحضرون لمأساة على أبواب شهر رمضان، في حال لم يتحسن الوضع.

حالةٌ صحيةٌ مزرية ..

تصف السيدة (م.ن) الوضع الصحي والطبي ب “المزري”، فلا توجد عيادة
طبية دائمة في مركز جهاد ماشي في اللاذقية، وتقول: “تأتي سيارة إسعاف يرافقها
طاقم طبي مرة كل عشرة أيام لمعاينة المرضى”. وعلى مستوى العناية الفردية، تصف
السيدة أن هناك “تدن واضح بالاهتمام بالعناية الشخصية. يدل عليها الانتشار الكبير
للقمل بين الأطفال في المركز، والعديد من الأمراض الجلدية المنتشرة بين النزلاء. والسبب
في ذلك وجود حمام واحد صالح، أما الحمامات الثلاثة الباقية فهي معطلة”.

وفي مركز إيواء غالية فرحات في مساكن برزة، شرح حازم الأشهب، أحد الإداريين
العاملين في المركز، معاناة الأسر بقوله: “الذي نعاني منه الآن بشكل كبير هو نقص
عدد المتطوعين لتأمين مستلزمات المقيمين في المدارس، إضافة إلى نقص في الأدوية والطبابة.
كما نعاني من مشكلة المياه وعدم القدرة على تعبئة الخزانات. نحن بحاجة إلى كادر طبي
بسيط وصهريج مياه للمدرسة. وهذه الأمور عرضناها مراراً وتكراراً على المسؤولين الذين
التقيناهم من اللجنة العليا للإغاثة، ولكن للأسف لم نلقَ أي استجابة، حيث اقتصر دورهم
على تأمين سلال غذائية فقط”.

وقال حاتم سالم، أحد المتطوعين في مركز إيواء صفد في ركن الدين بدمشق: “الحاجة
الأساسية الآن هي زيادة الكميات المخصصة من التبرعات والمساعدات، لوجود عدد كبير من
الأسر المتضررة نتيجة الظروف الطارئة السائدة”. وأضاف: “هناك تقصير كبير
في هذا المركز من الناحية الطبية، حيث أن المشرفين يكتفون بتقديم حبة مُسكّن للألم.
وكانت الهيئة السورية لشؤون الأسرة من الجهات الحكومية الأولى التي قامت بتقديم المعونات.
وبعد ذلك أصبحت مساعداتها تأتي متضمنة في مساعدات اللجنة العليا للإغاثة، ولم تعد تقوم
بتقديم أي مساعدات خاصة بها”. وتساءل أحد المقيمين “إذا كانت الهيئة المختصة
بشؤون الأسرة، والموالية للنظام الذي قصفنا، غير قادرة على تقديم مشروع خاص بها بعيداً
عن انضمامها للجان وفروع أخرى لمساعدة الأسر المهجّرة، فمن سيقوم بذلك؟”.

تبين لدى الكشف على هذه المراكز انتشار بعض حالات الإسهال والتهاب الأمعاء
بسبب تلوث أنابيب نقل المياه. كما تبين وجود القمل وبعض حالات التهاب الكبد والكثير
من حالات الجرب وبعض الأمراض الجلدية المعدية. ويعود السبب في ذلك إلى قلة توافر الحمامات
وقلة مواد التنظيف.

يبدو أن نظام الأسد لم يكفه تدمير المناطق الثائرة بالكامل، ولم يكفه قتل
واعتقال مئات الآلاف من أبنائها ليشفي غليله انتقاماً. لا بل أراد أن يكمل على
أهلها من النساء والأطفال الذين تقطعت بهم السبل، فلم يجدوا سبيلاً للهروب من النظام
إلا إليه. فباتوا غرباء في أوطانهم التي سلبها منهم الأسد. فمن هروبهم من الموت السريع
المحتم تحت البراميل المتفجرة إلى دخولهم في موت بطيء ذلاً في سجون تمارَس عليهم فيها
شتى أنواع العقاب الجماعي والانتقام. في مشهد لا يقل بشاعة عن معسكرات الفصل العنصري،
التي ابتدعها نظام الأبارتايد في جنوب إفريقيا. وكما كانت الحرية هي المصير الحتمي
لأبناء تلك البلاد، وكما كان مصير الأنظمة الاستبدادية هناك، سيأخذ التاريخ مجراه
في وطننا.

تحاليل كشفت المستور:

بين أحد العاملين في مديرية سلامة المياه التابعة للنظام، والذي
رفض الكشف عن اسمه، أن نتائج تحاليل العينات المقطوفة من مياه الشرب المستخدمة في مراكز
الإيواء بريف دمشق كانت كالتالي:

عدم صلاحية المياه للشرب كيمائياً (COD) في مركز إيواء الملعب البلدي ومركز جامع النور في جرمانا.

عدم صلاحية مياه الشرب كيمائياً وجرثومياً (الإيشيريشيا كولي-
الكوليفورم الكلي –
COD) في مركز (مدرسة الكسوة المختلطة) ومركز (مدرسة
الكسوة الشرقية ) ومركز دار تشغيل الأيتام- دنون.

عدم صلاحية مياه الشرب جرثومياً (الإيشيريشيا كولي – الكوليفورم
الكلي) في مركز إيواء العادلية.

نتيجة للدراسة التي أجرتها الأخصائية النفسية (ع.ل) في مراكز
إيواء اللاذقية، ظهرت العديد من المشاكل الاجتماعية كالاكتئاب، وبلغت نسبته 29%، تلاه
القلق من المستقبل 24%، الخوف 13%، الحزن لترك البيت 9%، الملل 8%، وعدم التأقلم الذي
حقق مشكلات نفسية متعددة النسبة.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *