الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / وهم “القضية”

وهم “القضية”

طريف العتيق

شكّلت القضية الفلسطينيةخصوصاً، وبعض
القضايا العربية المجاورة
(كالعراق بالدرجة الأولى، ولبنان)،محور اهتمام الإعلام الرسمي طيلة عقود حكمِ الأسد. بل
وحتى عنواناً بارزاً في الهم العام للمجتمع السوري، والذي كان يجري التشديد على أهميته
ومحوريته في مختلف المناسبات الوطنية والقومية، وبشكل أكثر وضوحاً مع تجدد
الاشتباكات الفلسطينية الإسرائيلية خلال السنوات الماضية
.

لعل فلسطينلم تكن غائبة كذلك عن أيٍّ من خطابات الزعماء العرب
وأحاديث إعلامهم، إلا أنها كانت أكثر محوريةً وأشد حضوراً في خطاب الأسد ومبررات
حكمه، واستمداده الشرعية
. كما لم تكن قضيتها حكراً على تيارٍ دون غيره، أو على فئة
دون أختها. حيث كانت حاضرةً على الدوام في الخطابات القومية واليسارية والدينية
والعلمانية كافة، وفي همّ مثقفي السلطة كما في أحاديث رجل الشارع اليومي. وهي بذلك
كادت أن تكون التجلي الأكثر قرباً للتعبير عن وحدة آلام العرب وآمالهم
.

مع تفجّر ثورات الربيع العربي وتمحور نضال الشعوب على
قضاياها المحلية، بدأ يظهر للعيان شيئاً فشيئاً حجم الخداع الذي مورس على شعوب
المنطقة خلال العقود الماضية. إذ تعرى نظام الأسد حامل راية محور الممانعة
والمقاومة أمام ملايين السوريين، ليكتشفوا أن من كان يحمل همّ الأمة العربية ما هو
إلا مستبد آخر مستعدٌ لأن يتحول إلى سفاح ومجرم حرب خلال أسابيع من بدء احتجاجات
سلمية على حكمه. وبدا واضحاً، أكثر من أي وقت مضى، متاجرته بالفلسطينيين وبقضيتهم
ودمائهم في سبيل استدامة حكمه، واستلهامه شرعية أدبية. فلا رادع عنده من تدمير
المخيمات الفلسطينيّة أو محاصرتها وقتل من فيها، حالهم حال كل متمرد على سلطته
.

بدأ
يظهر حجم الخداع الذي مورس على شعوب المنطقة خلال العقود الماضية مع تفجر ثورات
الربيع العربي وتمحور نضال الشعوب على قضاياها المحلية

بل شاءت الأقدار أن تكشف الشهور المتتالية لانتفاضة
السوريين عجز النظام عن الرد على غارات عسكرية نفذها الطيران الإسرائيلي في الأرض
السورية مرات عدّة، واستهدف فيها مستودعاتٍ للذخيرة والسلاح. وإضافة إلى عجزه، كان
واضحاً كذلك وجود قرار مسبق بعدم الردّ
.

هذا النفاق تجاه القضايا الكبرى التي كانت تملأ رؤوس
الناس، إضافةً إلى تمحور الشعوب حول الهمّ المحليّ من جهة أخرى، كشف زيف المقاربة
بأكملها. أي من حيث اعتبار فلسطين قضيةً أولى ووحيدة، في ظل التخدير والإلهاء
الرسمي والمستمر عن رؤية المستبد المحليّ الذي يجلس في دمشق ويحكم المنطقة برضى
دولي، مصدره بالدرجة الأولى المحافظة على الخطوط المتفق عليها، ومن بينها حدود
إسرائيل الشمالية
.

كان نظام الأسد قد اختار مبررا شرعياً لحكمه باعتباره
نظام المقاومة والممانعة الوحيد في وجه إسرائيل، والهادف إلى استعادة الفلسطينيين لأرضهم
وحقوقهم. إلا أن هذه الاستعادة لم يكن من الممكن تحقيقها يوماً دون تنحية القضية
الفلسطينية جانباً والعمل على القضايا المحلية، وعلى رأسها إزالة الاستبداد
المحليّ وبناء نظام سياسي وعسكري جديد يعبّر عن هوية الشعوب وعن إرادتها
.

الأخبار غير السارة قد تأتي خوفاً من تكرار التجربة،
ومحاولة أي نظام سياسي قادم رسم أهداف ذات أولوية قد تكون مهمة لكن تحقيقها وفق
الظروف الراهنة ومتطلبات الواقع غير ممكن. ورغم ما يراه البعض من صعوبة رسم مثل
هذه الأهداف الوهمية في سوريا ما بعد الأسد، إلا أننا نرى السياسيين الأمريكيين
والأوروبيين وهم ينجحون في إقناع شعوبهم بأهمية محاربة الإرهاب في أفغانستان، أو
إرسال بعثة فضائية إلى المريخ، بينما تمتلئ بلادهم بمشاكل مباشرة أكثر أهمية وإلحاحاً
.

على الواقع أن يكون بوصلتنا على الدوام، وأن تكون
محدداته هي أولوياتنا في العمل. هكذا نكون على المسار الصحيح، وفي طريقنا أيضاً
لتحقيق الأهداف الكبرى
.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *