الرئيسية / رأي / تسامح

تسامح

ثائر الزعزوع/

قد لا يجرؤ الكثيرون منا على سؤال أنفسهم السؤال التالي: غداً بعد سقوط النظام، كيف تتخيلون شكل سوريا؟ أقصد ما نوع الحكم الذي ستوصلونه إلى السلطة؟ وما هو نوع المجتمع الذي تريدون أن تعيشوا فيه؟

أولاً علينا أن نتخيل بلداً مدمراً، مشتتاً، فقيراً… ثانياً علينا أن نتخيل اقتتالاً قد يدوم طويلاً بين عشرات الفصائل والكتائب الجهادية وغير الجهادية في إطار سعيها للاستيلاء على السلطة، وثالثاً علينا أن نتخيل اقتتالاً ثأرياً انتقامياً بين بعض المناطق والعشائر وهو قد يدوم طويلاً أيضاً، وأخيراً علينا أن نتخيل اقتتالاً بين الراغبين في التقسيم من جهة وبين الراغبين في المحافظة على بلد موحد من جهة أخرى، وكل هذه الاقتتالات لن تخلو من تدخلات أجنبية وعربية ومؤتمرات واجتماعات، وقد يستمر الأمر طويلاً قبل أن يفرز شكلاً جديداً للدولة أو الدول، ربما، التي سيتحتم عليها التعايش مع بعضها البعض، وقد يتضمن الأمر وجود قوات لحفظ السلام قد تصبح جزءاً من المشهد الحياتي كما حدث في بلاد أخرى، وقد يصير لزاماً علينا استخدام جوازات سفر أو أوراق عبور في حالة أردنا الانتقال من دويلة سورية إلى دويلة سورية أخرى، ربما لن نتأخر كثيراً في إعلان مسميات لتلك الدويلات على اعتبار أننا مصرون على لعب الأدوار التي أرادنا النظام  أن نلعبها، فنحن متشنجون قومياً وطائفياً، وليس لدينا أي استعداد لتقبل العودة إلى سوريا التي كانت قبل الثورة، لا أقصد سوريا الأسد، ولكن سوريا التي كانت تضمّنا جميعاً، وقد صرح جون برينان مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية “CIA” منذ أيام بأنه لا يعرف “ما إذا كان يمكن أو لا يمكن عودة سوريا موحدة مرة أخرى”. وحين يطلق مدير الـ CIA مثل هذا التصريح فهذا يعني أنه يبوح بخطة بلاده تجاه مستقبل سوريا، وربما يذكر الكثيرون أن وزير الخارجية البريطاني السابق فيليب هاموند كان قد أكد منذ أشهر وتحديداً في شهر شباط من هذا العام بأن روسيا تساعد الأسد على إقامة دويلته التي وصفها هاموند بالدويلة العلوية، وبالمقابل فإنه بات واضحاً أن روسيا والولايات المتحدة يساعدان في إقامة دويلة كردية من خلال مساعدة ما يسمى بجيش سوريا الديمقراطية، وبهذا فإنه بات لدينا دويلتان مسميتان لحد الآن دويلة سوريا العلوية ودويلة سوريا الديمقراطية، وهاتان الدويلتان سيكون بينهما على ما يبدو تنسيق وتفاهم لأن بينهما روابط مشتركة، على الرغم من أن كبير مفاوضي وفد النظام إلى اجتماعات جنيف المدعو بشار الجعفري كان قد نصح “الأكراد” بأن ينسوا فكرة الفيدرالية وأن يأخذوا حبة “بندول” لكن ذلك لن يمنع من إقامة علاقات ديبلوماسية بينهما…

دعوني الآن أتحدث عن الدويلة الثالثة والتي باح بأسرارها أبو محمد الجولاني مؤخراً عند إعلانه فك ارتباط جبهة النصرة بتنظيم القاعدة وإطلاق تسمية جديدة على الجبهة لتصبح “جبهة فتح الشام”، إذ إن الجبهة “الجديدة” أعلنت في بيان وزعته عقب انفكاكها جملة من المبادئ التي تسعى لتنفيذها وجميع تلك المبادئ تقودنا بالضرورة إلى إقامة دولة إسلامية متشددة، تحكم بالشريعة ولا تعترف بالقوانين التي وضعها البشر، و يمكن للراغبين مراجعة بيان “جبهة فتح الشام” كاملاً والبحث فيه إن شاءوا عما يشبه سوريا من قريب أو من بعيد، أو ما ينتمي أصلاً للثورة أو سواها، فهو بيان قد تصدره أي جماعة إسلامية متشددة في أفغانستان أو العراق أو ليبيا أو حتى جزر الفوكلاند، ويمكننا أيضاً أن ننسبه لتنظيم القاعدة أو تنظيم داعش دون أن يكون هناك فارق، مع العلم أن الدويلة السنية ستجد مناصرين لها في الداخل السوري لأن ما يبوح به بعض السنة من مشاعر كراهية تجاه باقي الطوائف يجعل من الأفضل حبسهم في دويلة تمثلهم لأن تركهم بين أبناء الطوائف الأخرى سيجعلنا نشاهد جرائم وحشية قد تقترب من أفلام الزومبي، أقصد أفلام أكلة لحوم البشر، ويمكننا أن نلمس ذلك العداء أيضاً لدى بعض الكرد تجاه العرب، ولدى بعض العلويين تجاه السنة، الأمر صار شبه طبيعي وقلما ظهر عاقل ليقول “كفى”. ولا أدعي هنا بأنني ذلك العاقل، لكني، على الأقل، أؤمن أن التسامح هو اللغة الأكثر قدرة على بناء الدول وعلى غسل الأحقاد من القلوب.

الثورة السورية هي واحدة من أنبل الثورات في التاريخ الحديث، وقد شوهتها المشاريع، وأساء إليها المتعصبون والمتطرفون وحولوها إلى “مقتلة” لا تنتهي، ولن تنتهي إلا إذا عاد السوريون إلى بعضهم بعضاً… يا أخي السوري أنا أحبك.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *