د.رفعت عامر
بدء السوريون مع الثورة تعلم فن السياسة بعد أن حرموا منها عقود طوال ،وشرعوا
يتخيلون وطن جديد قائم على أساس المواطنة ،ولكنهم تفاجئوابردة فعل النظام العنيفة وصمت
عالمي مخيف، وغياب للنخب الفكرية والسياسية القادرة على قيادة الحراك الثوري إلىمآلاته
السياسية المطلوبة ،وبعد مرور أربع سنوات على هذه الثورة اليتيمة ما زالوا
السوريون مع الأسف يفتقدون إلى تصور واضح ورؤية لمستقبل نظامهم السياسي والاقتصادي
،ولا توجد خارطة طريق للخروج من المأزق السياسي ،كما بقيا السؤال الأساسي المتعلق
بمستقبل سوريا الاقتصادي وماهية النظام الاقتصادي المطلوب بدون أية إجاباتواضحة ،وهل
هو رأسمالي أم اشتراكي أو أسلامي ؟
محددات رئيسية :
1-ليس في عالم اليوم
نظام اقتصادي يعمل خارج إطار المنظومة الرأسمالية العالمية وحتى لو سمى نفسه
اشتراكي أو أسلامي .
2-رغمتناقضات النظام الرأسمالي
والسلبيات النسبية الكثيرة التي أفرزها على البلدان الناميةخاصة ،إلا أن البشرية
لم تنتج حتى الآن نموذجا قابلاً للتطبيق أفضل من هذا النظام .
3-كانتتجربة بناء الاشتراكية
فاشلة سياسياً واقتصاديا في كل البلدان التي حكمت فيها أنظمة باسم الاشتراكية ،لأنه
لا يمكن للاشتراكية أن تقوم في بلدان لم
تطبق المنظومة الليبرالية المتكاملة اقتصاديةوسياسية وتشريعية..،بمعنى أخر
لااشتراكية في البلدان الهامشية أو على أطراف المراكز الرأسمالية .
4-إن النموذج الاشتراكي
القريب من تصور ماركس هو النموذج المطبق في الدول لاسكندنافية ،نظام رأسمالي مع دور
كبير ومهم للدولة في تحقيق العدالة
الاجتماعية من خلال اتباع سياسات مالية تعيد توزيع الدخل لصالح الفئات الاجتماعية الأقل
دخلاً وبما يحقق التوازن النسبي بين رأس المال والعمل .
5-لم تحقق الصين نموها
الاقتصادي إلا بعد أن بدأت بتطبيق النموذج الرأسمالي ،ونظامها السياسي الاشتراكي
ليس أكثر من شعاراتلحماية الطبقة السياسية الحاكمة من السقوط.
6-ليس هناك من نموذج نظري
أو عملي لاقتصاد اسلامي والاجتهادات التي يمكن نسبهاإلىالإسلامليست إلا ترويج لعلاقات
رأسمالية متخلفة تهدف إلى تثبيت رؤى ومصالح فئات سياسية أخذت من الدين الإسلامي
ذريعة في تأكيد مصالحها السياسية ،وليس النموذج الاقتصادي الماليزي أوالتركي إلا
رأسماليات قادتها أنظمة مدنية علمانية تحكم تحت عناوين اسلامية الهدف منها التركيز
على الخصوصية الثقافية والاجتماعية لتلك الدول وتشكل حشد جماهيري للقادة نحو تحقيق
أهداف تقدم بلدانهم الاقتصادي والسياسي.
7-ليس من بلد في عالم اليوم خارج المنظومة الرأسمالية
للإنتاج،ولكن مستوى التقدم والتطور والرفاهة الاقتصادية مرهون بالمعطياتالموضوعية والذاتية
الخاصة بكل دولة،حيث تقل السلبيات وتكبر الفوائد كلما توفرت الإدارةوالتخطيط السليم والتنظيم والتوجيهوالقدرة على الإبداع وخلق الميزات التنافسيةوالعكس صحيح .
في عام 1820 لم تكن اليابان مؤهلةلدخول العصر والتحديث مقارنة بمصر
التي كانت حينذاك أكثرتأهيلاً وملكت ميزات نسبية وتنافسية أفضل من اليابان ومع ذلك
بقيت مصر متخلفة ،بينما اليابان تحولت إلى عملاقاقتصادي ودولة عصرية .
كما كانت مصر عام 1940 متقاربة مع كوريا الجنوبية من حيث الناتج
المحلي الإجمالي ومتوسط دخل الفرد،وبعد حوالي 60 عاماً يصبح الناتج المحلي الإجمالي لكوريا 10أضعاف الناتج
المحلي الإجمالي لمصر.
–كما شهدنا في العقدين
الماضيين دولا مثل ماليزيا وتركياتدخلانمنظومة الرأسمالية العالمية
بنجاحاتاقتصاديةكبيرة ،مع أن أنظمة الحكم فيها من حيث الشكل ذات توجه إسلامي،ولكنها
فعلياً استندت على عمليات التحديث الرأسماليلبنية المجتمع والدولة ،بينما بقيت
الدول العربية وعلى رأسها مصر وسوريا بعيدة كليا عن ذلك.
8-إنمشكلة التخلف
والتأخر ليست فيالرأسماليةبحد ذاتها ،لا بل
في عدم تطبيق المنظومة الليبرالية الشاملة التي تأسس عليها النظام الرأسمالي في
الاقتصاد و السياسية والتشريع والقانونوالديمقراطية وحقوق الإنسان .
9-للنظام الرأسمالي
كغيره من الأنظمة التي سادت عبر التاريخ تناقضات وعيوب كثيرة تحتاج إلى عمل وجهد انسانيكبير
على مستوى العالم لتخليصها من تناقضاتها وتجاوزها ولكنهذا الممكن متاح فقط للدول والشعوب التي استطاعت التكامل والاندماج والتخصص في إطار
المنظومة الرأسمالية العالمية لمن يعمل من داخلها وليس من الخارج.
إن المحددات السابقة
ضرورات وليس خيار يجب أخذها بعين الاعتبار عند تحديد النظام الاقتصادي لسوريا
المستقبل وإلا سنعيد إنتاج النظام السابق سياسياً
واقتصادياً .
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث