حلب- مصطفى محمد
مأساتهم في المذبحة التاريخية، حتى اندلعت الثورة في سوريا، والتي استتبعت ردود
فعل عنيفة وإجرامية من قبل النظام السوري، كان أول نتائجها تهجير حوالي خمسة ملايين سوري من البلاد. ولم
يكن الأرمن بمنأى عن هذا التهجير. وبينما تغيب الإحصائيات الدقيقة التي تقدر أعداد
الأرمن الذين هاجروا خارج الأراضي السورية باتجاه البلد الأم “أرمينيا”،
تفيد تقديرات غير رسمية بأن أعداد الأرمن الواصلين إلى أرمينيا وصل إلى حوالي عشرة
آلاف مواطن، جلهم من مدينة حلب. “آكوب” هو أحد أولئك الذين وصلوا
لأرمينا هرباً من جحيم حلب، وهو الذي كان يملك متجراً لبيع اللحوم في المدينة،
والذي يعمل حالياً في مطعم وسط العاصمة “يريفان”، يقول لـ “صدى الشام”:
“صحيح أن أرمينيا بلدنا الأصلي، لكن سوريا هي بلدنا الأول التي ترعرعنا فيها.
لا زال حلمي أن أعود للمدينة التي لم تبخل علينا بشيء”.
الفقيرة، وهذا ما جعل الكثير من المواطنين الأرمن يفضلون البقاء في سوريا، على
الرغم من الحرب التي تشهدها البلاد، هذا البقاء الذي استغله النظام في توريط
العديد منهم في الصراع الدائر، إضافة إلى استغلالهم كاستغلال الكثير من الأقليات
في سوريا لتأجيج الصراعات وحرف الثورة السورية عن مسارها الحقيقي. فكان أن انطلقت
” صدى الشام” في تحقيق يرصد أحول الأرمن السورين في مدينة حلب في هذا
الوقت من عمر الثورة السورية، وسط التغيرات السريعة التي تشهدها المدينة ومختلف
المحافظات السورية.
وأحبوه، لكن بخصوصية تفردوا بها. هذه الخصوصية التي حافظوا من خلالها على
معتقداتهم وتراثهم ولغتهم. ومع بداية الثورة السورية اختار بعض الأرمن الوقوف ضد النظام، حيث قام
بعض التجار الأرمن بدعم النازحين السوريين
من خارج مدينة حلب بداية الثورة، حين كانت المدينة معزولة عن الأحداث العسكرية.
حلب، ووصلت إلى مقدمة الأحياء الأرمنية في غضون أسبوع من بداية المعارك. وحينها
بدأت حكاية الأرمن مع الثورة في المدينة.
حاضراً في المعارك حينها، لـ “صدى الشام”: “مع دخولنا للأحياء الأرمنية
في الأحياء الشرقية للمدينة، كنا حينها نتلقى السباب والشتائم من الأهالي. لا
كرهاً فينا ولكن خوفاً من الدمار القادم”.
إلى هنا سيبدأ النظام بتهديم البيوت على رؤوسنا، مسلمين وأرمن على حد سواء”. ويتابع:
“لكن بعد ذلك غادر الكثير منهم بيوتهم، التي تحولت لجبهات مشتعلة ولا تزال،
إلى مناطق أكثر عمقاً في الداخل الحلبي، والمسيطر عليه من قبل النظام”.
على سوية واحدة، فالبعض لم يكن على قدر المسؤولية التي تمليها عليه كلمة
“ثائر”، ولذلك فهناك حالات محددة سجلت لاعتداءات على الأرمن، بحجة أنهم
كانوا يساندون النظام”.
الثوار لا يستهدفونهم، ومن هنا تورط الكثير منهم
في القتال إلى جانب الأسد، بحجة الدفاع عن الأحياء التي يسكنوها”.
“تلغراف” البريطانية تقريراً بتاريخ 14 أيلول/سبتمر2012، عنونته بـ “المسيحيون
في سوريا يحملون السلاح للمرة الأولى”، قالت فيه إن “المجتمع المسيحي في
سوريا حاول تجنب الانحياز إلى أحد طرفي النزاع في الحرب الأهلية، لكنه قرر في حلب
تجنيد شبان الكشافة لحماية الكنائس. وقبل السلاح من الجيش السوري، بعد أن انتقلت
الحرب إلى المدينة وضواحيها. وانضمت بعدها مجموعات أرمنية لصد هجمات المسلحين على
أحيائهم”، بحسب التقرير.
التقرير بشكل لا يدع مجالاً للشك، البداية المبكرة للتورط الأرمني في القتال إلى
جانب الأسد في مدينة حلب. وينقل التقرير شهادة للأب جون يقول فيها: “إن
الأثرياء في مدينة حلب لم يكونوا من أنصار النظام، لكنهم شعروا بأنهم اضطروا إلى
حماية أنفسهم من الفلاحين المهاجرين (من الريف)، الذين لجأوا إلى الحرب لتدمير قلب
المدينة المتطور والحديث“.
منهم تورط في القتال إلى جانب النظام، هذا التورط الذي لم يظهر في حلب وحدها، جاهر
به الأرمن بقتالهم مع النظام السوري مدعين أنهم “جنود المسيح”. حيث أظهرت
مدينة كسب الساحلية قتال الأرمن إلى جانب النظام السوري على العلن.
عن الأمان
وبالتالي يلجأ الشخص إلى آليات دفاعية، مهمتها إبعاده عن عيش التجربة مجدداً. هذه
الآليات الدفاعية قد تكون عبارة عن مسكنات مؤقتة، وقد لا تسهم في الحل الجذري،
ولكنها تبعد الشخص المضطهد عن ساحة الشعور”، تقول الدكتورة في علم الاجتماع،
هنادي الشوا. وتوضح الشوا، في حديثها الخاص لـ “صدى الشام”: “لقد
تعرض الأرمن إلى الاستلاب الثقافي والاجتماعي. وعندما قدموا إلى البلاد، سوريا،
ورغم أنها احتضنتهم واحتوتهم لكنها بالنهاية بلاد مسلمة، وهنا بدأ الخلط للكثير. ومع
أن الشعب المسلم لم يناصبهم العداء، لكن الآليات الدفاعية والاضطهاد المتراكم،
حالت دون شعورهم بالأمان المطلق”.
الذي مورس على الأرمن، يمكننا أن نفهم انزواء كثيرين على أنفسهم. ولذلك باتوا ينظرون
إلى من حولهم أن على أنهم ذئاب، فإما أن يكونوا فرائس أو ذئاب. وكي يكون الفرد الضحية
ذئبا في مجتمع الهدر الإنساني، عليه أن يتقرب من السلطة ويتذلل لها”.
حاول هذا الأخير بناء نظام سياسي على أسس طائفية، لدرجة أن بعض الأقليات صارت
تعتبر أن حالة الأمان التي تنعم بها هي مكرمة من النظام. وهذه أعلى درجات الهدر
الإنساني؛ أي أن تشعر أن حقوقك تعطى لك بأنها مكرمة.
والتضليل. ومن ثم تحولت جل هموم المواطن إلى إرضاء الغرائز البيولوجية، أي بالمعنى
الأدق أصبحت الديمقراطية والحرية ترفا”. ودليل الشوا في ذلك أن “الكثيرين
ممن آثروا الانزواء والبعد عن الثورة، تذرعوا بأنهم كانوا في حالة شبع مفرط، وهذا
لا يخص الأرمن لوحدهم هنا”.
الثورة”
إلى الجارة تركيا، التي تولت هي وقطر حينها إعادة تأهيل النظام دولياً واقتصادياً.
لم يحتج الأرمن حينها على ذلك الارتماء، ولم يتهموا النظام بأنه يمد يد العون
للعدو الأكبر. لكن وبمجرد أن انقلبت الأدوار، ارتفع الصوت الأرمني واصفاً الثورة السورية
بأنها ثورة بوصاية تركية، وهذا بحسب مدير عام المركز الأكاديمي للبحوث والدراسات الاستراتيجية،
الحقوقي كامل أطلي.
ويضيف أطلي في حديثه الخاص بـ “صدى
الشام”: “لقد صور النظام لهم بأن من أطلق الثورة السورية هم الاتراك، مستغلاّ
حالة العداء التاريخي بينهم وبين الأتراك. كما عمل النظام على تأجيج هذا العداء،
من خلال تصوير أن الأتراك هم القادة الجدد لسوريا، وهم من سوف يحلون مكان النظام في
شمال سوريا. وبالتالي كان يستحضر أمامهم التاريخ الأسود، وذلك عبر رجال الدين
المأجورين من المسيحين والمسلمين على حد سواء، من أمثال الشيخ حسون وغيره من
الرهبان المأجورين”.
في الشمال والجنوب، حلب ستكون محررة بشكل كامل في وقت قريب جداً، لذلك يجب تطمين
الأخوة الأرمن، على مستقبلهم في البلاد، وأنهم مكون مهم وأساسي كما أن الثورة
السورية ثورة عدالة وحقوق، لكن بنفس الوقت يجب على الأخوة الأرمن تحديد موقفهم من
الصراع أو الوقوف على الحياد وعد السماح للنظام باستغلالهم.”
مؤخراً في وجه النظام، لما يعانيه الشعب الأرمني في المدينة من حرمان وتجويع. فكان
لا بد من تخميد هذه الأصوات عبر إحياء مخاوف الأرمن الوجودية القديمة إلى الواجهة،
وإعادة هذه الأصوات إلى الاصطفاف القاتل حول النظام.
عليه النظام عندما قصف حي السليمانية المكتظ بالأرمن، والخاضع لسيطرته في بداية
الشهر الحالي، موقعا العشرات بين قتلى وجرحى. لتتولى قنواته على الفور اتهام من
وصفتهم بالـ “الإرهابيين”، حيث تولى مفتي النظام، أحمد حسون، إصدار فتوته
الشهيرة التي طالبت بمسح مناطق المدنيين عن بكرة أبيها، كونها أحياء خارجة عن سلطة
الدولة، ويتم من خلالها استهداف المدنيين.
الانفجار يدرك أن هذا الدمار ناجم عن سلاح لا يمتلكه الثوار. وهو ما أكده ناشطون
من أبناء المدينة، مشيرين إلى النظام يحاول تأجيج مشاعر المسيحين في المدينة ضد
المعارضة.
بدورها قالت شبكة “المحتلة نيوز”، وهي
الشبكة الوحيدة المعارضة التي تعمل داخل المناطق التي يسيطر عليها النظام: “إن
النظام السوري هو من استهدف حي السليمانية، لتأجيج مشاعر المسيحين للوقوف إلى صفه،
ولاتهام الثوار بالطائفية”. مؤكدة أن “القوة التدميرية التي أحدثها الصاروخ،
هي قوة لا تمتلكها قوات المعارضة”، ومشيرةً إلى أن لحظة وقوع الصاروخ، تزامنت
مع قصف حي “السيد علي” الخاضع لسيطرة قوات المعارضة بصاروخين من نوع
“فيل”.
فضلاً عن تمتعهم بالتسهيلات التي كانوا يحصلون عليها من النظامين السوري والأرميني
في آن واحد. فالكثير من أبناء الأرمن تلقوا تعليمهم الجامعي في الجامعات الأرمنية مجاناً،
فضلاً عن الجنسية المزدوجة التي كانوا يتمتعون بها أيضاً.
ورغم الاختلاف على أرقام الضحايا، لكن الجميع يتفق على أن الشعب الأرمني تعرض لأشد
أنواع التنكيل والظلم، الذي مارسته عليه السلطات العثمانية قبل نحو مئة عام من
الآن. أما عن دوافع التنكيل وتلك الممارسات فلا زالت محل البحث التاريخي، حيث
يعتبر بعض المؤرخين أن المشكلة الأرمنية لا يمكن اختصارها بتركيا فقط، بل هي فصل
من فصول الصراع المسيحي الإسلامي. ولسنا في مقام التفنيد التاريخي هنا، ولكننا
بصدد الحديث عن قسم من الأرمن كانوا قد قدموا من مناطق خاضعة لسيادة السلطنة
العثمانية، إلى الأراضي الجديدة، ومنها مدينة حلب، التي كانت أيضاً بدورها جزء من
السلطنة، فاستوطن الأرمن في أحياء خاصة بهم في مدينة حلب، وصاروا مكوناً أساسياً
للمدينة. ففي غضون أقل من نصف قرن استطاعوا أن يشكلوا البذرة الأولى للصناعة في
المدينة التي تربعت على عرش الاقتصاد السوري فيما بعد.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث