أحمد العربي
منذ بضعة أيام، قرأت في إحدى الصحف المحلية
السورية الناطقة باسم النظام عن مكرمة منت بها الحكومة على المواطن، ألا وهي
السماح له باستخدام بطاقته الشخصية “المشعورة “في تسيير معاملاته في
الدوائر الحكومية. وهو أمر على تفاهته، لكنه يشكل حاجة ملحة للكثير من المواطنين
الذين شُعرت بطاقاتهم الشخصية، فحرموا من استخدامها في بلدهم. لا لذنب جنوه، بل
لأنهم يجب أن يتحملوا وزر رداءة البطاقة الشخصية التي تنتجها ذات الحكومة التي تمنعهم
من استخدامها في حال شعرت. فإن كانت الحكومة السورية العتيدة قد حلت مشكلة شعر
البطاقة الشخصية، فهل بإمكانها أن تحل مشكلة “شرخ الهوية الوطنية” الذي
أحدثته بين مواطنيها؟
في ذات اليوم الذي قرأت فيه الخبر، كنت أركب
سرفيس “مهاجرين باب توما”، وحين وصلنا حاجز شارع بغداد أوقفنا أحد جنود
الحاجز، والذي كان بلحية داعشية ويتحدث بلهجة سلطوية يعرفها جميع السوريين، يملئ
فيها حرف “القاف” ما بين الأرض والسماء، وطلب البطاقات الشخصية للركاب
(عطونا الهواوي)، كاسراً بقوله كل قواعد اللغة العربية بما فيها جمع التكسير. جمعت
له الهويات وبدأ يقلب ناظريه في كل هوية على حدة. وفي تلك الأثناء كان الصمت
مطبقاً ووجوه الركاب مصفرة وقلوبهم تلهج بالدعاء أن تمر تلك اللحظات على خير. ففي
هذا الموقف يكون الجندي كعزرائيل يمكن أن يخطف روح من يشاء. وفجأة كسر الجندي
الصمت وقرأ ثلاثة أسماء كان بينها اسمي واسم شابين آخرين ودعانا للنزول من السرفيس،
ثم أعاد باقي الهويات لأصحابها وأغلق الباب، ثم أمر السائق بمتابعة طريقه. فعل
السائق كما أُمر، وكانت أعين من نجا من الركاب ترقبنا من النافذة بنظرة حزن، أشبه
بنظرة حبيب يودع حبيبه للمرة الأخيرة. أما نحن فكل منا كان ينظر للآخر بنظرة مليئة
بالأسئلة مثل لماذا نحن؟ وما الرابط بيننا؟ وماذا سيحل بنا؟ حتى باغتنا ذاك الجندي
بقوله اتبعوني. فسرنا خلفه دون تردد وبخطوات ثقيلة، حتى وصلنا غرفة يجلس فيها
أربعة عناصر يشربون “المتة”، وأحدهم يضع أمامه حاسوب. أعطاه الجندي
الهويات وقال له بفخر وكأنه جاء بصيد ثمين: “فيشهم”. حينها فقط اكتشفنا
الرابط بيننا نحن الثلاثة، ولماذا وقع علينا الاختيار دوناً عن باقي الركاب، حيث
كان السبب أننا ننتمي لمناطق ثائرة. إذ كنا من دير الزور والقصير والتل، وهي بحد
ذاتها تهمة لدى النظام. سحب صاحب الحاسوب الهوية الأولى، فكانت لابن القصير فأدخل
اسمه للحاسوب ولم يجده مطلوباً لأي من الأفرع الأمنية، ثم سأله (مسيحي هنت؟)، لابد
أنه اكتشف ذلك من اسمه، فأجاب الشاب بنعم، فرد العنصر “براءة”. وذهب
الشاب ثم وقع اختيار العنصر على هوية ابن التل، وحين لم يجده مطلوباً سأله (شو
متعمل بالشام؟)، أجاب الشاب بأنه موظف حكومي، فطلب العنصر ما يثبت ذلك، ثم سأله هل
يذهب للتل أم لا؟ وأين يسكن؟ وكم راتبه الشهري؟ ثم أعاد له الهوية مردداً ذات
الكلمة “براءة”. ليأتي دور ابن الدير ليعيد ذات التحقيق معه ثم “البراءة”.
ومن أي تهمة؟ لا شيء سوى أنك “سوري” تتجول في شوارع يفترض أنها سورية. لكن
بمجرد انتمائك لطائفة معينة متهمة بالتمرد أو منطقة ثائرة، فهذا كفيل بسحب الجنسية
منك وسؤالك بطريقة عنصرية مقيتة (ماذا تفعل في دمشق؟)، وكأنك لبناني أو أردني أو
حتى إسرائيلي، ولست سورياً يحق لك التجول أين ما شئت على أرض بلدك. حين سألني
العنصر العنصري ذاك السؤال، لم يخطر ببالي إلا بيت الشعر الذي قاله الجواهري حين
سحبت منه الجنسية العراقية، فأخذت أردده بداخلي وأنا أنظر لذاك العنصر قائلاً: سَلْ
مُضجعيكَ يا ابن الزنا …أنت السوري أم أنا؟
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث