عبد القادر عبد اللي
يتقاذف الجميع، دولاً وجماعاتٍ وأفراداً، الاتهامات حول تأسيس داعش، ودعمها وتقويتها والتحالف معها، حتى إن سهام الاتهام أصابت الأطراف المتناقضة والمتحاربة على حد سواء، وتبدو الاتهامات كلها منطقية…
إيران ووكلاؤها…
في البداية كانت إيران بأمسّ الحاجة لما يثبت كذبة العصر بأن وكيلها في دمشق يسير على خطى ديمقراطية، وصفها رجل الدين التركي المتشيّع صلاح الدين آقغندوز في خطبة أمام مريديه وليس في برنامج هزلي قائلاً: “الديمقراطية السورية أرقى من ديمقراطية السويد وبقية الدول الاسكندينافية“؛ وهي تحارب جماعات طائفية متطرفة تعادي الديمقراطية، وتحرّمها، ولا همّ لهذه الجماعات سوى القتل والإرهاب… وإذا أضفنا إطلاق سراح الموقوفين الإسلاميين المتطرفين من سجون “محافظتيها” سورية والعراق، والأمر بقتل ما عداهم، يقوى الرابط بين إيران وداعش. كما أن طائرات نائب محافظها في دمشق التي تحرق الأخضر واليابس تجنبت ضرب مقراتها العلنية المرفوع فوقها الرايات السوداء وكأنها إشارات للطيران لكي يتجنب قصفها، ولم تصبها شظية من القصف الذي كان المدنيون هدفه ولو بالخطأ، وبقي الأمر على هذا النحو حتى حققت مأربها بالمشاركة في “التحالف الدولي“، وتحقيق هدفها بإقرار الولايات المتحدة احتلالها لسورية والعراق وغيرهما.. وهناك العامل الاقتصادي يقدم قرينة أخرى على التورط الإيراني بدعم داعش، فقد بقي خط الترانزيت الوحيد من تركيا إلى دول الخليج يمر عبر إيران بعد أن قطعت داعش الطريق العراقي، وهذه المكاسب الكبرى التي حققتها إيران من ظهور داعش أدلة ليست قليلة على تورط هذه الجهة بنشأة داعش من التكوين إلى التمدد..
الولايات المتحدة ودول التحالف الغربي…
بعد أن ضعف تنظيم القاعدة في معقله الأساسي أفغانستان، والحوار الأمريكي مع طالبان، وليونة تنظيم طالبان الذي كان يوفر الدعم الأساسي للقاعدة، عاد هذا التنظيم كما بدأ جماعات متفرقة تجتمع على السلفية الجهادية، وتختلف بالأهداف السياسية. لم تعد تستطيع هذه الجماعات أن تفعل ما يمكن أن يُحْدِث فرقاً، وأصبح بالإمكان تقليم أظافر أي جماعة منها عندما يتقرر هذا، والمثال الأبرز هو مالي. وبعد فقدان القاعدة بريقها كان لابد للولايات المتحدة من فزاعة تفوق القاعدة إجراماً ويراها مواطنوها كوابيس من أجل حشد الأساطيل، فجاءت داعش بعمليات قطع الرؤوس ولعب كرة القدم بهذه الرؤوس في مشهد غطى على كل ما سبقه من إجرام، ثم جاءت القشة التي قصمت ظهر البعير بقتل المواطنين الأمريكيين والإنكليز لتجد الولايات المتحدة ضالتها، والعدو الذي تحتاجه، وقد وفرت داعش هذا الأمر فهي في قلب الشرق الأوسط، وفي أكثر المناطق حساسية بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهذا ما يجعل حملة الولايات المتحدة على داعش عمليات موضعية إعلامية، وحتى إن ريتشارد هاس رئيس “مجلس العلاقات الخارجية” –المؤسسة الفكرية الأعرق والأكثر تأثيراً في الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك من يعتبرها صانعة سياستها– يقول في حديث لصحيفة حريت التركية نشر في 11/ 11/ 2014: “إن أولوية الولايات المتحدة حالياً إضعاف داعش. وأن هدف إزالتها هو إفراط في الطموح.” هل إزالة هذا التنظيم مستحيل على الولايات المتحدة، أم الحاجة إليه هي التي تحول دون إنهائه؟
وبالنسبة إلى دول التحالف الغربي فقد فجرت فضيحة عميل المخابرات الكندية “محمد رشيد” الذي سهّل تهريب الفتيات الإنكليزيات الثلاث الاتهامات والشكوك، وخاصة عبارة وزير الخارجية البريطاني رداً على نظيره التركي: “كما يحدث دائماً” مشيراً إلى أن أجهزة المخابرات هي التي تقوم بتهريب هذه العناصر، وبعدها مصدر تمويل تهريب الفتيات الإنكليزيات الذي تم من بريطانيا نفسها يقدم أدلة على تورط الدول الغربية بتقديم الدعم لداعش وكأنها تريد التخلص من أثقالها.
الأنظمة التوليتارية والدينية…
ثمة أطراف خشيت التحركات الشعبية العربية من أجل الإصلاح والتحول الديمقراطي، وتريد أن تحبطها بأي ثمن، واعتبرت نجاح أي تجربة من هذه التجارب يمكن أن تشكّل خطراً وجودياً على هذه الأنظمة، لذلك كثيراً ما تُتهم بأنها هي التي تدعم داعش لأنها مثّلت بالنسبة إلى هذه الأطراف حبل الإنقاذ، وبدأت تقارن هذه الأطرف نفسها بداعش لتظهر بأنها أرحم ألف مرة من داعش. لذلك فإن داعش بالنسبة إلى هذه الأطراف كلها الأداة الفاعلة ضد أي تحرك شعبي أو مطالبة بأي إصلاح، وتمثل تغطية لأي عنف يمكن أن يمارس ضد شعوب المنطقة جميعها، وكل هذه المصالح يمكن أن تكون قرائن على تقديم الدعم لهذه المنظمة.
المعارضة السورية وأصدقاؤها…
بعد إعلان إيران دخولها الحرب الدائرة في سورية بجيشها والميليشيات التابعة لها، وتواطؤ دول القرار الدولي بهذا الدخول، شعرت هذه الأطراف بالإحباط، وينسحب هذا الإحباط على المعارضة السورية بتلويناتها كافة العلمانية والإسلامية المعتدلة والليبرالية وغيرها، مما دفع بالمقاتلين إلى غض الطرف عن نمو التطرف الإسلامي بينهم، وقبول المقاتلين المتطرفين الأجانب، وتسهيل عبورهم… وهذا الأمر أيضاً منطقي، فهذه المعارضة يمكن أن تقول لنفسها: “إن العالم الذي لا يدعمني ضد إيران، لن يكتفي بدعمي ضد داعش، بل سيحارب معي بعد أن تقضي على النظام وتطرد إيران!”، وعلى الرغم من ارتداد هذه الحسابات ضدها، إلا أن تلك الاتهامات للمعارضة السورية والدول الداعمة تجد لها طريقاً سالكاً إلى المنطق…
عندما تكون داعش ضرورة لكل هذه الأطراف يحق للبغدادي أن يقف ويقول “باقية وتتمدد“…
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث