الرئيسية / مجتمع واقتصاد / اقتصاد / الاتفاق النووي الإيراني : ميزان الربح والخسارة

الاتفاق النووي الإيراني : ميزان الربح والخسارة

أحمد العربي

تحت طائلة الضغوط الاقتصادية الداخلية لإيران في أعقاب تراجع
إيراداتها من النفط بسبب العقوبات الدولية المفروضة عليها من جهة، ومن جهة ثانية
شعورها بدخولها مرحلة انحسار لتمددها بالمنطقة بعد انطلاق عاصفة الحزم، فإن مفعول
القوة التفاوضية لطهران مع الغرب بشأن الملف النووي تراجع لحاجة إيران إلى العودة
لضخ كميات جديدة من النفط في الأسواق، فضلاً عن رغبتها في استعادة جزء من أموالها
المجمدة في البنوك الخارجية بعد رفع العقوبات، وهو ما سيساعدها مؤقتاً على مواجهة
مشاكلها الداخلية وتعزيز قدرتها على تمويل وكلائها في الحرب بالمنطقة. وبهذا ستكون
طهران قد خسرت ملفها النووي أو على الأقل تنازلت عن جزء منه، وخسرت في الآن ذاته
جيرانها الخليجيين الذين لن يوقفوا عاصفة الحزم، وخرجت أمريكا رابحة بامتياز، حيث
أعادت إيران بموجب الاتفاق النووي إلى نقطة الصفر وذهب عناء الإيرانيين وخسائرهم
جراء تسع سنوات من العقوبات هباء منثوراً.

تقدر خسائر إيران جراء برنامجها النووي وبمنطق الفرص
الاقتصادية الضائعة، أي فرص الاستثمارات الأجنبية والعائدات النفطية، بمئة مليار
دولار. كما تقدر أرصدتها المجمدة في البنوك الغربية بذات المبلغ. أي أن ما يعتبره
الإيرانيون اليوم نصراً تفاوضياً متمثلا بالرفع التدريجي للعقوبات ووقف للأنشطة
النووية، ما هو إلا عودة لنقطة البداية وضياع لفرص التنمية على مدى تسع سنوات من
العقوبات.

فحتى على مستوى الهدف الإيراني المعلن من برنامجها النووي، وهو
توليد الطاقة الكهربائية، فنسبة تخصيب اليورانيوم التي سمح بها الاتفاق لإيران تعد
صغيرة نسبياً، ولن تقود إيران للاكتفاء الذاتي الكامل من الطاقة النووية، بعد أن
أضاعت الأموال والسنوات على هذا البرنامج، وأهملت صيانة بنيتها الأساسية وتنمية
موارد أخرى كان يمكن أن تؤمن احتياجاتها من الطاقة بصورة أفضل.

لطالما رددت القيادات الإيرانية، الموقعة على اتفاقية منع
انتشار الأسلحة النووية، أن مبرر أبحاثها في مجال الطاقة النووية هو استخدامها في
إنتاج الطاقة الكهربائية. فكما هو معروف أن الطاقة الكهربائية المنتجة عبر
تكنولوجيا الانشطار النووي مكلفة في طور الإنشاء رخيصة في طور التشغيل، مما يجعلها
مصدرَ دخلٍ قومي كبير حال إنشائها والبدء بتشغيلها. السؤال هنا كم خسرت إيران
بتخليها عن الطاقة الكهربائية النووية؟ وماذا يمكن أن تحقق من بدائل للطاقة
الكهربائية بعد اتفاقها مع دول (5+1)؟
!

أولا يجب أن نؤكد أن إيران لم ولن تتخلى عن إنتاج الطاقة
الكهربائية عبر التكنولوجيا النووية، فهي تعتبر أن من حقها الطبيعي أن تكون جزءاً
من الـ 120 دولة التي تمتلك التكنولوجيا النووية السلمية بنسب متفاوتة. كما أن
افتتاح الرئيس الإيراني حسن روحاني قبل نحو أسبوعين لمجمع وقود نووي من المفترض أن
يمكن إيران من توفير الوقود النووي المطلوب لمحطة بوشهر بدلاً من استخدام الوقود
الروسي، يؤكد استمرار إيران ببرنامج إنتاج الكهرباء عبر الطاقة النووية. لكن الذي
سيكون له دور في الحد من إنتاج الطاقة هو شروط الاتفاق التي تضع القيود على نسبة
التخصيب بحيث تصبح أقل من 3.5% وتقلص عدد أجهزة الطرد المركزي من 19 ألفاً إلى
6104 (بحسب تقارير أمريكية). هذا سيؤدي بالنتيجة إلى عدم قدرة إيران على إنتاج الـ
30 طناً من اليورانيوم المخصب المطلوب سنويا كوقود لتشغيل محطة بوشهر النووية
لإنتاج الكهرباء، والتي سينتهي تزويد الوقود الروسي لها بعد 8 أعوام (2023).

تتربع إيران على المقعد 94 في تصنيف الدول من حيث كمية استهلاك
أفرادها السنوي للطاقة الكهربائية 2650
kW.h/ capita/year، وهذا التصنيف يعد
مؤشراً على تقدم الدول والمجتمعات، حيث تستهلك الدول الأقوى اقتصاداً والأكثر رخاءً
معدلات أعلى من الطاقة الكهربائية. وعليه فإن إيران لا تحظى بترتيب متقدم، ولذلك فهي
تطمح لزيادة إنتاجها الكهربائي رغبةً في إنعاش اقتصادها الذي أنهكه الحصار. لكن
ماذا لو تم الاتفاق على إنهاء الحصار فعلاً؟! عندها ستكون إيران قادرة على
الاستفادة أكثر من مصادر أخرى للطاقة تتمتع بها الدولة المترامية الأطراف. فإيران
تنتج حالياً 13% من طاقتها الكهربائية من السدود المائية، وفقط 0.2% عبر مصادر
الطاقة المتجددة الأخرى (الطاقة الشمسية وطاقة الرياح).

مع العلم أن هناك مشاريع مقدمة من القطاع الخاص تقترح إنشاء
مجموعة محطات طاقة متجددة في مواقع متعددة من البلاد تنتج ما مجموعه 3
GW أي ما يعادل 3 أضعاف ما تنتجه محطة بوشهر النووية الوحيدة. تكلفة
إنشاء هذه المحطات تقدر بستة مليارات دولار، وهو المبلغ الذي تستطيع إيران تحصيله
خلال 4 أشهر فقط من عائدات النفط، في حال تم رفع الحظر عنه وزيادة إنتاجه بمليون
برميل يومياً عن إنتاجه الحالي، وهي زيادة يتوقعها الكثير من الاقتصاديين. مما
يؤكد أن لإيران الكثير من البدائل العملية لإنتاج الطاقة الكهربائية حتى في حال
تخلت عن إنتاج الكهرباء عبر التكنولوجيا النووية، ويشير إلى أن الانتعاش الاقتصادي
الذي قد يتحقق سيكون له منافع أكبر على الاقتصاد الإيراني.

شاهد أيضاً

سوريا تتجه لخفض تكاليف النقل بعد تخفيض أسعار المحروقات

أكد مدير الاتصال الحكومي بوزارة الطاقة السورية أحمد السليمان، أن قرار تخفيض أسعار المحروقات سيؤثر …

مليارات ضائعة في عقد “السكر”.. فساد جديد من حقبة نظام الأسد .. والرقابة تسترد المبلغ

أعلن الجهاز المركزي للرقابة المالية في سوريا عن استرداد نحو 46 ملياراً و790 مليون ليرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *