الرئيسية / تحقيقات / حرب القمح حلب: صراع ثلاثي الأطراف على شراء محصول القمح لموسم 2015

حرب القمح حلب: صراع ثلاثي الأطراف على شراء محصول القمح لموسم 2015

مصطفى محمد- حلب- صدى الشام

رغم منسوب الأمطار الجيد والمبشر بموسم وفير، إلا أن تقلص المساحات
المخصصة لزراعة القمح، وأهمية هذه المادة الاستراتيجية، جعل من القمح في حلب ساحة للصراع
بين الأطراف الثلاثة المتواجدة في المدينة، والمتمثلة بالمعارضة، وإدارة المناطق
الذاتية الكردية (الأسايش) والنظام. هذه الحرب قد لا تقل ضراوة عن سير المعارك
العسكرية التي تشهدها المدينة، ورغم وجود طرف رابع يتمثل بتنظيم الدولة، إلا أن
الأخير خارج هذه الحرب لعدة عوامل، من أهمها وقوع مساحات كبيرة من حقول القمح تحت
سيطرته. 

لم تنتظر هذه الأطراف نضج الموسم الحالي، لتباشر الإعلان عن استعداداتها
التسويقية، فالسنوات الأربع الماضية من الحرب والجوع، ربما بعد عام فائت جاف، سرعت
من قرع طبول هذه الحرب الغذائية باكراً، ليعلن النظام، الطرف الأقوى اقتصادياً في
هذه المعادلة، عن رصده مبلغاً مالياً بقيمة 70 مليار ليرة سورية لشراء القمح من
الفلاح للموسم الحالي 2015. هذا الرقم وصفه اقتصاديون بالرقم غير المسبوق، مما
يعطي دلالة على أن النظام يدفع عبر قوته الاقتصادية وبكامل طاقاتها للفوز في هذا
الصراع، في المحافظة السورية الثانية إنتاجاً للقمح بعد محافظة الحسكة.

عزوف عن زراعة القمح

بات واضحاُ أن محصول القمح يتربع على عرش المحاصيل الاستراتيجية، ولاسيما
في فترة الحروب، ولذلك يستوجب هذا المحصول طاقات وقدرات كبيرة تقف وراءها مؤسسات
قادرة على التعامل مع مراحل تسويقه (صوامع، مطاحن، رصيد مالي). ولهذا ساهم غياب
الدولة في سوريا في خلق مصاعب جمة أمام الفلاح عند التسويق.

بالتالي فقد قرر الكثير من الفلاحين ترك هذه الزراعة، وراحوا يبحثون عن
زراعات بديلة وسهلة التسويق، مثل البقول، على اختلاف أنواعها، والشعير الصالح
للتسويق محلياً، وغيرها من الزراعات الأخرى.

ووفق مصدر في منظمة “ميرسي جروبس”، وهي المنظمة التي قامت
بتوزيع الأسمدة مجاناً هذا العام في الريف الحلبي، فإن مساحة الأقماح المزروعة في
منطقة إعزاز للموسم الحالي، على سبيل المثال، لا تتجاوز الـ 5000 هكتار. في حين
كانت المساحة السابقة قبل أربعة أعوام تصل إلى حوالي 45 ألف هكتار.

كما وساهم الصراع الدائر في إخراج الكثير من الحقول والمساحات المخصصة
لزراعة القمح من الخدمة، وخصوصاً في الريف الشمالي الذي يشهد صراعاً مفتوحاً بين
تنظيم الدولة والمعارضة. 

النظام من مصّدر إلى مستورد

عقب خروج الكثير من المناطق المعدة لزراعة القمح عن سيطرته، لجأ النظام
إلى المخزون الاحتياطي الذي كان يحتفظ به، وإلى عقد الصفقات مع بعض الدول التي
تصدر القمح، مثل روسيا وإيران، وكان آخر هذه الصفقات حين طرحت المؤسسة العامة لتجارة
وتصنيع الحبوب التابعة للنظام، مناقصة عالمية لشراء واستيراد 150 ألف طن من القمح “الطري”
لاستخدامها في صناعة الخبز، والتي ينتهي تلقي العروض لها في 13 نيسان الحالي.

ويأتي نبأ الإعلان هذه المناقصة متناقضاً مع تصريحات إعلامية لوزير سوري،
لوكالة رويترز، قال فيها “إن بلاده لن تستورد قمحاً هذا العام، لغزارة
الأمطار وتوسع نطاق السيطرة على الأراضي الزراعية”.

وفي ذات السياق، يؤكد ما قالته وزارة الزراعة الروسية، بإن سوريا تريد
استيراد المزيد من القمح الروسي، حجم التناقضات التي باتت صفة لكل تصرفات النظام
منذ اندلاع الثورة السورية.

وبات النظام يعتمد بشكل كامل على مادة القمح المطحونة محلياً في صناعة
الخبز اليومي، ورفع نسبة الاستخراج من 80%، إلى 95%. أي أنه بات يعتمد بشكل كامل
على القمح المطحون محلياً، بعد أن كان يخلط القمح بالدقيق الأبيض المستورد. الأمر
الذي أنتج رغيفاً أسمراً لا يصلح إلا للاستهلاك الساعي فقط، وفاقمت مشكلة الخميرة
المستوردة من إيران، التي لا تتمتع بالجودة، في رداءة رغيف الخبز.

نظام المبادلة

كشفت وسائل إعلامية مقربة من النظام، عن مساعٍ تفاوضية يقوم بها الأخير
مع الحكومة الإيطالية لمبادلة 100 ألف طن من القمح القاسي بالقمح الإيطالي الطري لاستخدامه
في صناعة الخبز السوري. مشيرة إلى أن النظام يحاول أن يستفيد من فرق الأسعار
العالمي، بين القمح السوري عالي الجودة وبقية أنواع القمح الطري.

هذا وشكك أحد الاقتصاديين، في
صحة هذه الأنباء، واصفاً إياها بالادعاءات من نظام فقد السيطرة. وتساءل الاقتصادي:
لوكان النظام يملك 100 ألف طن من القمح القاسي، فلماذا يستورد القمح ويقدم العروض
الدولية لشراء القمح؟ مشيراً إلى أن أغلب العروض التي يقدمها النظام تتضمن أجور
النقل، وغيرها.

صفقات تهريب

يلجأ النظام، فضلاً عن الاستيراد، إلى وسائل غير شرعية للحصول على القمح من
المناطق الخارجة عن سيطرته عبر التعاقد مع تجار يتولون تهريب القمح، أو عبر الشراء
من تنظيم داعش، الذي يسيطر على الرقة والريف الشرقي للمدينة.

عبد الواحد عابد، الموظف السابق في مؤسسة حبوب حلب، يؤكد اعتماد النظام،
طوال عمر الثورة، على مخزونه الاحتياطي لتغطية حاجة مدينة حلب من هذه المادة، وذلك
بعد الأوامر التي صدرت بترحيل كميات كبيرة من القمح المتواجد في المناطق الثائرة
بداية الثورة. ويوضح في حديثه لـ “صدى الشام”، “مع بداية اندلاع
الثورة في الريف الحلبي، عهد النظام على إفراغ صوامع الحبوب من محتواها، ونقلها
إلى مناطق ما زالت تحت سيطرته”. إلا أنه، وفي الوقت نفسه، يشير إلى اعتماد
النظام بشكل جزئي على الكميات التي يؤمنها له تجار يعملون لصالحه داخل المناطق
المحررة، مرجحاً تورط جهات عسكرية ثورية في التغطية على تلك العمليات المستمرة
للآن، حسب زعمه.

بالمقابل فإن النظام يمتلك خيارات بديلة تؤمنها محافظة الحسكة، وهذا ما
أكدته تصريحات مدير عام مؤسسة الحبوب لوكالة سانا السورية، والتي أكد فيها على
وصول أكثر من مليوني كيس من أكياس الخيش اللازمة لتعبئة المحصول للمحافظة.

عفرين في العاصفة

لا يُعرف على التحديد حجم المخزون الاحتياطي من مادة القمح الذي تحتفظ به
إدارة المدينة، إلا أن التصريحات الإعلامية الأخيرة التي أدلى بها عطوف عبدو، رئيس
هيئة التموين في المدينة، لوسائل إعلامية محلية، تكشف عن كمية مخزنة في صوامع
المدينة تكفي لمدة ستة أشهر في حال تعرض المدينة للحصار. مؤكداً على سعي الإدارة
لرفع هذه الكمية إلى مخزون يكفي لعام ونصف العام. وهو ما يعطي دلالة على كم التنافس
الذي سوف تشهده أسواق الأقماح هذا العام.

في الأثناء، أفادت مصادر محلية مقربة من الإدارة الذاتية لإدارة عفرين لـ
“صدى الشام”، أن الإدارة تسعى في الوقت الراهن لوضع تسعيرة لمادة القمح.
واعتبرت هذه المصادر أن هذه التسعيرة ستكون مشجعة للتجار، ومن شأنها الإسهام في
زيادة المخزون الاحتياطي لهذا المحصول الاستراتيجي. ورجحت نفس المصادر أن يصل سعر
الكيلو الواحد هذا الموسم إلى حوالي 90 ليرة سورية.

وتعتمد المدينة بشكل شبه كامل على تأمين مستلزماتها من القمح على القمح
المنتج خارج حدود المدينة، وذلك بسبب طبيعة الأراضي الجبلية في المدينة، وانعدام
شبه تام للأراضي الزراعية الصالحة لزراعة القمح في أرياف المدينة، باستثناء مساحات
صغيرة لا يعول على إنتاجها.

بالمقابل تشهد المدينة اكتظاظاً بعدد السكان، نجم عن نزوح أغلب الأكراد من مدينة
حلب إلى عفرين. كما استقبلت المدينة أعداداً كبيرة من النازحين العرب، الفارين من
جحيم القصف من مدينة حلب وبعض أريافها. وهذا الاكتظاظ السكاني جعل الحصول على مادة
الخبز أمراً صعبا، تزامناُ مع ارتفاع في أسعار هذه المادة أيضاً. 

الحلقة الأضعف

اعتبر مدير حبوب حلب، المهندس الزراعي عرفان داديخي، أن المعارضة هي
الحلقة الأضعف مالياً بين الجهات المتواجدة في المدينة. وذلك لعدة عوامل اختصرها
بتهلهل الحكومة المؤقتة السورية وغياب القرار الموحد عنها.

وشدد على ضرورة دعم المؤسسات المعنية في المناطق المحررة حتى تكون قادرة
على شراء القمح وبيعه، فيما بعد، إلى الأفران بأسعار مقبولة. معتبراً في حديث خاص
لـ “صدى الشام”، أن “الدعم المالي يوجب الثقة من الفلاح بمؤسسات
المعارضة، ومن دون هذه الثقة لا مجال للعمل”. وعن توقعات مؤسسة حبوب حلب
للموسم الحالي، قال: “إن تقلص المساحة المخصصة سوف يكون له بالغ الأثر على
الموسم هذا العام، إلا أن كمية الأمطار قد تنوب عن هذا التقلص. وبدون شك سوف يشهد
هذا الموسم تنافساً كبيراً على هذا المحصول الاستراتيجي”.

هذا التنافس يستدعي، وفق داديخي، “رفع الجاهزية من قبل المعارضة،
والبحث عن طرق للاستحواذ على كميات استراتيجية، وصولاً للحفاظ على سعر مقبول لمادة
الخبز أمام المواطن السوري المنهك اقتصادياً”. معتبراً أن “المعارضة
تملك خيارات شرائية أفضل من الجهات الباقية، وخصوصاً النظام المحاصر في خياراته الشرائية
في منطقة السفيرة التي يسيطر عليها، أو عبر خيار المجازفة والشراء من محافظات
سورية أخرى”.

وأنهى داديخي بالقول: “نعتمد حالياً على استجلاب الداعمين وتوقيع
العقود التي تضمن، ولو مرحلياً، وصول الطحين إلى أفران المناطق المحررة. ونأمل أن
نتجاوز هذه المرحلة بشراء كميات مطمئنة من القمح لهذا الموسم”.

تنظيم الدولة الإسلامية وحصة الأسد

يسيطر التنظيم على أجزاء كبيرة من ريفي المدينة الشرقي والشمالي، وتتركز
زراعة القمح في المناطق الخاضعة لسيطرته، ما يجعل التنظيم يستحوذ على حصة الأسد من
مقدرات حبوب مدينة حلب بشكل عام. بالإضافة إلى سيطرته على محافظة الرقة بالكامل،
وأجزاء كبيرة من محافظة دير الزور، الأمر الذي يجعل التنظيم غير معني بالمنافسة
على استحواذ هذه المادة. وأكثر من ذلك، هذه السيطرة تخوله إدارة الصراع الغذائي في
المدينة.

ويأتي إفراغ صوامع الحبوب في مدينتي الباب وأخترين، وشحنها إلى جهات لم
تعرف على التحديد، ليؤكد عزم التنظيم على نية الإعلان عن استعداده لبدء شراء القمح
وتخزينه للموسم الحالي 2015. 

كما ويقوم التنظيم، في كل المناطق التي يسيطر عليها، بفرض الإتاوة على الفلاحين
(زكاة الحبوب). وتشمل الزكاة محصول القمح والشعير، الأمر الذي وصفه مصدر مقرب من
التنظيم بالـ “النظام التكافلي الاجتماعي الرائد”، والذي يحسب للتنظيم
لا عليه، كما يروج في الإعلام. 

الحرب وتأثيرها على القمح السوري

انضمت سوريا إلى قائمة مصدري القمح في العام 1980، بعد أن كانت من الدول
المستوردة، مستفيدة من شهرة عالمية للحبوب السورية. ويشار إلى أن سوريا كانت تنتج نحو
3.5 مليون طن قبل عام 2011، وتوزع نحو 2.5 مليون طن منها على المخابز، وتعزز احتياطيّها
الاستراتيجي. ولا تُعرف الكميات المتبقية من هذا المخزون. فيما تشير منظمة “الفاو”
إلى أن سورية استوردت 1.3 مليون طن من الحبوب، من بينها 890 ألف طن من القمح، في
العامين 2013-2014. هذه الأرقام تؤكد أن زراعة القمح ليست بأفضل حالاتها، وتوضح حجم
التأثيرات التي طالتها بفعل ما يدور في البلاد، التي حولها النظام إلى ساحة حرب
قرر خوضها على شعب لم يطالب إلا بالحرية.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *