رانيا مصطفى
حرر
جيش الفتح إدلب المدينة من سيطرة النظام بعد قتال خمسة أيام فقط. سبع سيارات مفخخة
ضربت أربعة حواجز للنظام حول المدينة، ومكنت الفصائل المتوحدة للتوّ من محاصرة
المدينة، ثم إجبار النظام على الانسحاب منها. النظام لم يعد قادراً على تحمل
المزيد من الخسائر، وإيران عاجزة عن تغطية كل المعارك على الأراضي السورية،
وجعلتها الخسائر البشرية في درعا وحلب وإدلب تحسب حساباً. فكان القرار بانسحاب
النظام من إدلب وتركها لمقاتلي المعارضة، والذين تغلب عليهم الصبغة الإسلامية، حيث
أن الفصيلين القويين في جيش الفتح هما النصرة وأحرار الشام.
النظام
رغم ضعفه وتراجع شعبيته بعد خسارة المدينة، سيلعب في ورقة التخويف من حكم الكتائب
الإسلامية، والتهديد بتدمير المدينة بحجة سيطرة المتطرفين عليها. وهو ما بدأه
بالفعل، وبدأ معه النزوحُ من المدينة، ورحلة تشرد جديدة سيتكبدها السوريون.
وتأوي
إدلب بالأصل نازحين من ريفها المحرر من قبل، حيث بلغ عدد قاطنيها المليون. اليوم
النزوح هو مصير الأدالبة، أهل المدينة وريفها معاً، ينزحون إلى مناطق النظام،
غالباً إلى الساحل السوري، الذي بات الأكثر أمناً. وسيبدؤون رحلة قاسية لتدبر
شؤونهم، وتوفير سكنهم. فاليومُ الذي سبق التحرير كان الأدالبة، كما كل السوريين،
يحاولون التأقلم مع حالات السلب والقمع والاستغلال الذي تمارسه حواجز النظام، عبر
تحاشيهم أو مسايرتهم. ثم استيقظوا في اليوم التالي على وقع تكبيرات الفتح، وباتوا
في حيص بيص من أمرهم؛ هل يبقون في المدينة التي سيقصفها النظام انتقاماً، وهل
سيستبد بهم الحكام الجدد باسم الدين، أم أن عليهم المغادرة وتحملَ أعباء البحث عن
مأوى ومصدر دخل في أماكن اكتظت أصلاً بالنازحين.
مجريات
الأحداث، والتصريحات المتناولة خلال الأيام القليلة ما بعد “الفتح”، تقول
إن أحرار الشام والنصرة سيتعاملون بحذرٍ فيما يخص حكم إدلب. كلا الفصيلين يحمل
مشروعاً إسلامياً هو فكر القاعدة، ويطمح إلى إعلان الإمارة، لكن حدوث ذلك في إدلب
هو فخٌ لهما. ويبدو أنهما يدركان ذلك؛ فالنصرة لن تعيد كرّة داعش في الرقة، بل
ستلتزم التأني والإرجاء، وستبقى على سياستها في المسايرة والتوافق مع الكتائب
الإسلامية فقط، وإن اختلفت معها في درجة تشددها. بعد أن كانت تحارب بقية فصائل
الجيش الحر، وقد طردتها من كل الريف الإدلبي.
كما
أن “غزوة الفتح” لم تحصل بمعزل عن الدعم التركي والسعودي، ما يعني أن
للداعمين تأثير كبير في حكم المدينة، دون المساس بمشروع الفصيلين الإسلامي. فهناك
تسريب أن النصرة ستتولى الإشراف على شؤون التربية والتعليم الشرعي، والأحرار
سيشرفون على تشكيل الحكم المدني، والذي لن يتجاوز تسيير بعض الشؤون المحلية، فيما
سيتولى القضاءَ محكمةٌ شرعية مشتركة، وبالتأكيد ستُعتمَد الشريعة الإسلامية للبت
بالأحكام، حالها حال المحاكم الشرعية في بقية المناطق.
الائتلاف
يطالب بأن تكون إدلب عاصمةَ حكومته المؤقتة، الأحرار لا يرفضون، والنصرة تعلن
الرفض. في كل الأحوال لا يمكن ذلك دون فرض حظر جوي على المدينة، الأمر الذي لا
يبدو أنه في نية الداعمين لعملية “الفتح” بعد، حيث لم يستجد أي جديد
بخصوص الاتفاق على حل سياسي بما يخص النظام السوري من قبل روسيا وأمريكا. والنظام
لن يقبل بدخول إدارة سياسية إلى إدلب إذ سيدمرها فوراً بطائراته، فهو يعي البعد
السياسي للأمر.
الداعمون
للفتح، تركيا والسعودية، أرادوا من هذه العملية الضغط على إيران، قبيل جلسة
الاتفاق على البرنامج النووي، ليس إلا. وبالتالي تم طرد النظام، ومن خلفه إيران،
من إدلب، في حين أنّ الجيش الحر يطرده من الجنوب في درعا. تم الاتفاق على النووي
الإيراني، ويُقرأ بين سطوره إعطاءُ أمريكا دوراً إقليمياً لإيران في المنطقة. هذا
الدور لا يعني السيطرة الكلية، كما اعتقدت طهران، بل سيبقى ممسوكاً من الإدارة
الأمريكية. لذلك استقرأت السعودية ذلك، وشنت عاصفتها الحازمة ضد الحوثيين في اليمن
مدعومة بتحالف لا بأس به، قوامه الأساسي خليجي، وبدعم أمريكي لوجستي وسياسي.
اندحر
النظام من إدلب ويندحر من المعابر الحدودية مع الأردن، ومن بقية مناطق درعا،
ويستعدّ جيش الفتح لملاحقته في معسكر المسطومة وجسر الشغور. الأمر إيجابي بالنسبة
للثورة، إذا قُرِئَ من زاوية أن النظام وداعميه بلغوا درجة كبيرة من الضعف، ما
يدعم الطريق إلى سقوط النظام. لكن قراءة الأمر من زاوية واحدة أمر خاطئ؛ النظام
وحلفاؤه بالفعل عاجزون عن السيطرة على مناطق جديدة، وعن الحفاظ على مناطق سلطتهم. النظام
اليوم بأمس الحاجة إلى المقاتلين، حيث لم تعد البيئات التي والته ترفده بالمزيد.
لكنه لم يفقد قدرته التدميرية للمناطق المحررة عبر القصف الجوي، ولا قدرته على
الإبادة الجماعية بالغازات السامة والبراميل.
سياسته
التدميرية هذه ساهمت بطرد الثورة من معاقلها، وهي الغاية الأساسية له منها. لكن في
الوقت نفسه ساعده فيها سياسة الكتائب المقاتلة على الأرض، فقد تمكن النظام من
منعها من تهديد العاصمة دمشق، فاضطرت إلى التمركز في المدن التي حررتها. دون أن
تمتلك الكتائب أي استراتيجية للحفاظ على الثورة ما أمكن، أو الحفاظ على أهلها. وفرض
نقص السلاح والتمويل تحكم المانحين له بتلك المناطق، ثم تغلغل الجهادية وسيطرتها
لاحقاً، بمساعدة النظام نفسه، الذي أخرج الإسلاميين بمراسيم العفو ليكونوا قادتها.
وبالتالي
الثورة توأد على يد النظام وداعميه أولاً، والجهادية وداعميها ثانياً. لذلك غدت
البلاد ساحة لتصفية حسابات بين الدول الداعمة لكل من النظام والجهادية، وعبر حرب
طائفية. ومن الصعب إسقاط النظام باستراتيجية الفتح هذه؛ بل النتيجة ضعف النظام
والثورة، إضافة إلى تدمير البلاد كلها دون الوصول إلى القصر الدمشقي. في حين أن
سقوط النظام أو تغييره لم يعد بيد السوريين، بل سيكون بقرار دولي. ولا عجلة للدول
المقررة فيه، فسورية في نظرهم ما زالت تحتمل المزيد من التدمير والقتل والتهجير،
وتصفية الحسابات.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث