تحرير معبر نصيب الحدودي، عدم استقرار سعر صرف
الليرة، التخبط في تصرفات المصرف المركزي السوري، وضع الحليف الإيراني للنظام بعد
الانفراج الدولي بشأن الملف النووي، وغيرها من الأمور الاقتصادية، حاولت “صدى
الشام” إيضاحها و الإجابة عن بعض التساؤلات حولها، عبر لقاء خاص مع دكتور
الاقتصاد والعلاقات الدولية، رئيس قسم الخزينة في دائرة الصندوق المركزي سابقاً، عبد
المنعم الحلبي.
الانعكاسات الاقتصادية المتوقعة على النظام؟
النظام، دون التطرق إلى دور المملكة الأردنية. فالأردن، ومنذ بداية الثورة السورية،
دأب على نهج سياسة اقتصادية ثابتة في المسار الاقتصادي، وأما المسار السياسي فهو
كان يتطور بحسب ضرورات كل مرحلة مع الحفاظ على عدم تطور الأمور وصولاً إلى الصدام
العسكري مع النظام. وفي المسار الاقتصادي نهج الأردن على سياسة النأي بالنفس
اقتصاديا، وقد يتعدى هذا النأي إلى الاستفادة الاقتصادية. هذا سابقاً، وهنا أقول إن
كم الانعكاسات الاقتصادية على النظام سوف تحدده تصرفات الأردن المستقبلية المتعلقة
بالمعبر. بالتأكيد، النظام خسر كثيراً بخسارة المعبر الأهم على مستوى سوريا ككل،
لكن إن حافظ الأردن على مساره السياسي والاقتصادي السابق، فإن خسارة النظام لن
تكون كبيرة كما يظن البعض.
وهناك إجماع على أن هذه الخسارة هي من أكبر خسائر النظام؟
المنعطف ليس تحرير المعبر، الأهم هو ما بعد هذا
التحرير. الاقتصاد لا يُفصل عن السياسة. هناك أمور بدأت تتسرب عن عمل للمعارضة في
الجنوب السوري، قد تكون من قبيل التمكين المدني والعسكري للمعارضة، وهذا هو الأهم.
والتعامل الأردني مع إدارة المعبر التي تم تشكيلها سوف يحدد حجم الضرر الاقتصادي
على النظام. للأردن هاجس اقتصادي كبير، ونتمنى أن يكون هناك واقع أكبر من الأردن
فرض عليه من قبل أطراف إقليمية. وحتى أكون واضحاً وصول الدعم العسكري للمعارضة،
سوف يؤدي إلى انهيار اقتصادي وعسكري سريع للنظام.
– من الطبيعي هنا أن يلجأ
النظام إلى لبنان. ولكن حتى لبنان صارت بمعزل بري عن المحيط، برأيك هل لدى النظام
مخرج من هذه الأزمة؟
المعبر طريق النظام للتصدير والاستيراد. وهنا أنوه إلى دور الاستيراد الأهم من دور
التصدير المنخفض بفعل الظروف، تزامناً مع عجز النظام عن انتاج احتياجاته. خسارة
هذا المعبر تعني خسارة الوصول إلى ميناء العقبة الاستراتيجي، الذي يصل النظام بالدول
العربية مثل السودان، ومصر. بالتأكيد، سيعتمد على لبنان في التعويض الجزئي، وعبر
علاقاته مع الحليف المتنفذ في لبنان “حزب الله”، ولكنه خسر الطريق البري.
موظف سابق في مصرف سوريا المركزي لفترة تمتد لأكثر من عشر سنوات، ونحن في شهر
نيسان. النظام السوري قال مطلع الشهر الحالي أنه سيتخذ إجراءات صارمة لوقف انهيار
سعر صرف الليرة، إلى أي مستوى لا يزال النظام قادراً على التحكم بسعر الصرف؟
فالعملة تكون ساحة للحرب. المعارضة في فترة من الفترات ركزت على تسريع انهيار
الليرة السورية، ومن الخطأ وصف اقتصاد النظام السوري بأنه اقتصاد. أنا اسميه حالة
اقتصاد مرتبطة بدعم عسكري، اعتمدت منذ البداية على التسهيلات والمنح التي قدمها
أصدقاء النظام، مثل الصين سابقاً، والتي انسحبت فيما بعد. والآن من يكمل هذا الخط
هو إيران، لكن حتى إيران لم تعد تقدم التسهيلات بالكم المطلوب.
قنوات حتى يصل للحفاظ على سعر الصرف مقابل الدولار. تشكل القناة الأمنية أهم هذه
القنوات، ومختصرها التدخل المباشر من الأجهزة الأمنية في مواجهة العرض والطلب في
السوق السوداء، من خلال المداهمات والمضايقات لكل من يعمل بالصرافة. ومن ثم لجأ
إلى القناة الإعلامية، إلى حد تحول فيه دور البنك المركزي من رسم سياسة وتقديم
الحلول إلى ممثل في الدعاية الإعلامية. ولكي أتوسع هنا، كل ما يعلنه البنك المركزي
عن مزادات لبيع كميات من الدولار، المترافقة مع حملات إعلامية مركزة، ومن خلال
عملي في البنك واطلاعي على ما يجري، أؤكد على أن هذه المزادات وهمية ودعائية فقط.
والقناة الثالثة هي دعم نخبة سياسية مهمتها التدخل بالسوق وتلقي الدعم المباشر من
النظام، وذلك ببيعهم الدولار بسعر أقل عن سعر سوق السوداء بكثير. فعلى سبيل المثال،
أعلن البنك عن بيع 3 ملايين دولار، وهل تستطيع بكمية محدودة أن تؤثر على سعر
السوق، لولا تدخل أيادٍ خفية؟
يبيع الدولار بأسعار متباينة، على حسب المشتري؟
يبيع التجار المواليين له الدولار بأسعار غير أسعار السوق ليتدخلوا هم وقت ما يريد.
وهذه سياسة متبعة للآن.
الفترة التي سيكون فيها المصرف المركزي قادراً على التحكم بسعر الصرف؟ وهل لأديب
ميالة، حاكم المصرف، دور في اتخاذ القرار؟
بعيد بتحديد سعر الصرف. أما بالنسبة لأديب ميالة، ففي كل العالم عندما يوضع شخص
كحاكم، أو محافظ للمصرف المركزي، فهذه الدول تختار شخصاً مر بتجربة تراكمية ثمينة،
وعند النظر إلى السيرة الذاتية لأديب ميالة، تدرك تماماً بأن هذا الشخص لا علاقة
له بالبنك المركزي، ولا حتى بالصيرفة والبنوك. هو شخص يحمل شهادة دبلوم من فرنسا، ويتحدث
الفرنسية. بدأ ظهوره حين كان يعمل بملحق السفارة السورية في فرنسا، وتحديداً عندما
سرب معلومات لشركة مملوكة لرامي مخلوف، ومنها بدأ يتعرف على شخصيات النظام، وعين
مديراً لمعهد الإدارة العامة، ومنها مباشرة إلى منصب حاكم مصرف سوريا المركزي.
بعبارة أوضح، تجربته بعيدة عن البنوك والمال.
الفضل في الحفاظ على مستويات مقبولة لسعر الصرف إلى شخص أديب ميالة تحديداً. وأبعد
من ذلك يذهبون إلى اعتباره ركيزة اقتصادية سورية؟
المثال، عندما تم استدعاؤنا لحضور جلسة تتعلق بتفعيل الرقابة على سعر صرف الليرة
السورية في شهر أيار 2011، لم يتكلم ميالة خلال الجلسة إلا عن مظاهرات اللاذقية
حينها، وعن مطالب المتظاهرين. ومن جملة مطالبهم، حسب وصفه، تتويج نادي حطين ببطولة
الدوري. كما أنه لم يطالبنا إلا بشيء واحد، وهو التعامل مع أجهزة الأمن فقط،
ودراسة وضع شركات الصرافة. وغابت الإجراءات عن الجلسة. وبالمناسبة، فقد بان لأكثر
الحضور حينها حجم السطحية التي يتمتع بها. الواقع يقول بأن أديب ميالة هو موظف لدى
رامي مخلوف فقط.
أطلع عليها. بعد الإعلان عن أحد المزادات للبنك، كانت لي جولة رقابية على شركة
السلطان للصرافة بحلب، وهي الشركة التي ربحت هذا المزاد. سألت مالكي الشركة عما
فعلوه بمبلغ الـ 3 ملايين دولار، وفوجئت حينها بأنهم باعوه بشكل مباشر إلى شخص
واحد يسمى “أيمن جابر” من اللاذقية. هذا التصرف يخالف الإجراءات التي
يجب أن تتبع، وذلك بوجوب طرح هذا المبلغ في السوق لا بيعه إلى شخص واحد. لكن القصة
ليست هنا، فالمسائلة طالتني من الشخص المسؤول عن مراجعة تقاريرنا الرقابية لأني
بحثت حول هذه الصفقة، ليتبين لي فيما بعد أن هذا الشخص هو أحد أزلام النظام. بل
وأكثر من ذلك، هو صاحب مصنع البراميل المتفجرة التي يلقيها النظام على كل الأراضي
السورية.
من قيام مواقع الكترونية ببث أسعار صرف وهمية، وقال إن هذه الأخبار مضرة
بالاقتصاد. سؤالي هنا، ما هو الحجم الحقيقي لهذا الاقتصاد الذي يتأثر بشائعة؟
حالة اقتصاد معتمدة على العسكرة، والدعم الخارجي المباشر. وحتى أؤكد لك حقيقة هذا
الاقتصاد، عندما قامت الصين بإيقاف التسهيلات المعلنة بقيمة 10 مليارات دولار، ارتفع
على الفور سعر صرف الدولار الواحد إلى 355 ليرة في غضون أسبوع واحد. وعند استئناف
الصين للقسم الثاني من التسهيلات بقيمة 5 ملايين دولار، عاد سعر الدولار إلى مستوى
الـ 180 ليرة حينها. وفي غياب الصين حالياً، من يسعر الدولار في سوريا هو الدعم
الإيراني قولاً واحداً.
من هبوط سعر الصرف، لأنه يغطي رواتب موظفيه بالليرة السورية، بينما يتلقى الدعم
بالدولار.
جريدة تشرين السابق، تحدى النظام مؤخراً في أن يكشف الأرقام الحقيقية للواقع
الاقتصادي السوري، وشكك بقيام الحكومة بذلك، وهو إعلامي مقرب من النظام. برأيك، ما
مرد هذه التصريحات والمطالبات؟
الهجرة، أو الاتجاه لحمل السلاح. وهذا ما يحاول النظام فعله؛ النظام يحاصر المجتمع
بذلك.
درجات الحرارة. ويحضرني هنا ما جرى للدكتور تيسير الرداوي، رئيس هيئة تخطيط الدولة
سابقاً، أثناء محاضرة له في محافظة دير الزور في وقت سابق، وتحسر حينها على تجاهل
الدولة لموضوع الإحصاء. وقال حرفياً الدولة بأنها لا تتجاهله فقط، بل تزوره. ولم
يستمر في منصبه إلا مدة شهر واحد عقب هذا التصريح.
إذا تكلمنا بالنسب هنا، ماهي نسبة تطبيقها في سوريا؟
للتوجه السوري نحو أوروبا في العام 2005
بشأن المشروع المتوسطي الأوروبي، عقب إعلان قانون محاسبة سوريا، فرض حينها فك
الارتباط بالدولار وربطها بسلة من العملات، من أهمها اليورو. هذا التصرف كان خطأ
اقتصادياً واضحاً. لكن توجهات رامي مخلوف ومحاولات تأهيل النظام من قبل فرنسا
وتركيا وقطر حينها، وحراك إعلان دمشق، جعلت النظام يذهب إلى ذلك.
وأولهم أديب ميالة، لأنه لا يمكن فصل الحياة الاقتصادية السورية عن الدولار، لأن
الدولار في الوعي الاقتصادي للمواطن السوري العادي، فكيف بنخب التجار؟
الثورة. لماذا لا يتم ضخ اليورو حالياً في السوق بدلاً من الدولار؟ وهنا أقول:
الشعب السوري مدولر بالكامل، ولا أتحدث عن مناطق النظام فقط، بل الشعب السوري ككل.
وحتى الثورة السورية هي مدولرة بالكامل بنسبة أكبر من دولرة تعاملات النظام
الاقتصادية.
المواطن من دولرة الوعي الاقتصادي، وهذا ما فرض التجاوب الميكانيكي مع سعر الصرف.
بالتالي فالخوف من المستقبل الاقتصادي لا يغطيه إلا الادخار بالدولار، وبالتالي
زيادة المخزون من الليرة السورية للتوجه إلى شراء الدولار. ومن هنا زادت قيمة الأرباح
بالليرة السورية، والغلاء طبعاً، وهذا ما أوصل البلاد إلى الجوع. الفقر يزداد
وينتشر، وخصوصاً في مناطق سيطرة المعارضة.
الداخلية، “عماد الأصيل”، قال إن المواطن السوري وصل إلى مرحلة الفقر
لكنه لم يصل إلى مرحلة الجوع، ما ردكم هنا؟
كل التصريحات الصادرة عن النظام، هي موجهة
للبيئة الحاضنة له والأوساط الموالية له. وتصريح عماد الأصيل صحيح عند النظر إلى
البيئة المستفيدة من النظام والمتورطة معه.
وخصوصاً بعد رفع العقوبات الاقتصادية عنها عقب الاتفاق الأخير بشأن المنشآت
النووية، هل تتوقع أن ينعكس هذا الاتفاق على النظام السوري حليف إيران؟
شيئاً بلا مقابل. صحيح أن الاتفاق جرى لكن الغرب يسعى للحفاظ على دور إيران كما
هو. بعبارة أوضح، الدول الكبرى تستفيد من إيران عبر استخدامها كفزاعة للأنظمة
العربية، بالمقابل لن تسمح لإيران في أن توسع أحلامها أكبر من المحدد. لذلك عندما
تُعطى إيران ملياراتها المجمدة، سيتم تحجيم الدور الإيراني عبر دعم الأطراف
الإقليمية المتصارعة معها. ولاحظ أنه لم يتم توقيع هذا الاتفاق، إلا عقب إعطاء
الضوء الأخضر لعملية عاصفة الحزم في اليمن.
الإيراني ليس بأفضل حال. والمبالغ المطلوبة لتصحيح هذا الاقتصاد والانتقال به إلى
مرحلة التعافي هي أرقام ليست سهلة.
سياق مغاير تماماً، يخص هذه المرة مؤتمر المانحين الذي عقد مؤخراً في العاصمة
الكويت. الأرقام التي تعهد فيها المانحون بالدعم لا تغطي نصف حاجة الشعب السوري،
علماً أن المبلغ الذي يغطي نصف الاحتياجات قدم على شكل وعود فقط. برأيك، هل هذه
الدول عاجزة عن تغطية حاجة الشعب السوري، أم أن للأمر دلالة أخرى؟
برأيي يجب الفصل بين مستويين، المستوى الأول هو
الداخل السوري، الذي يضم الشعب والعسكرة، أما الثاني فهو مستوى المعارضة السياسية،
والتي فشلت في تمثيل هذا الداخل. وهذا الأمر بدأ يكشف الدور المقبل الانحساري
للمعارضة السياسية الخارجية، وتوجه الداعمين للداخل. الأمر الذي يكشف عن تغييرات
جوهرية مقبلة، قد تتطور بتدخل مباشر من الدول الإقليمية في الداخل السوري، والوصول
إلى الأشخاص المعنيين في الداخل على الصعيدين الخيري والعسكري، إدراكاً من الأطراف
المعنية بأن كل المؤسسات السابقة لم تكن بالمستوى المطلوب، ولم تكن على قدر تطلعات
الداخل.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث