عبد
القادر عبد اللي
هل
من يحارب داعش هو عدوها؟ الجواب المنطقي لهذا السؤال: “نعم!”. ولكن
السياسة ليست رياضيات، وليس بالضرورة أن يكون الجواب منطقياً، بل يمكن أن تكون
الدول المحاربة لداعش حليفة لها، ويمكن أن يكون من لا يحاربها عدوها وأكبرُ
المتضررين منها. وهذا ما يحدث “عادة”. فعندما كان الخميني يصرخ ملء فهمه
“الشيطان الأكبر”، كشف الاتحاد السوفيتي السابق من خلال سقوط طائرة
كورية جنوبية محملة بالأسلحة متجهة إلى إيران على أراضيه نتيجة عطل فني أن إسرائيل
من أهم ممولي الخميني بالسلاح. ويومئذ أفتى الخميني بشراء السلاح من الشيطان
الأصغر، لقتال ما أسماه “وكيل الشيطان الأكبر”. وهذه الحقيقة لا تمنع
اليوم “الرفاق” لأن يكونوا جنوداً أوفياء في ميليشيات الإمام الفقيه،
ففي السياسة ليس هناك محرمات، وكل المُحرّمات مجرد مَحَارِمَ لمسح عار العهر
السياسي.
لم
تنفذ دولة من الاتهام بتأسيس داعش أو دعمها. وكثيراً ما تتلقف صحف المنوعات
الثورية والممانعة على حد سواء هذه الاتهامات، وتروّج لها. ولكن يبدو إعلام الولي
الفقيه في هذه الشؤون هو الأقوى إلى درجة أنه زوّر مذكرات هيلاري كلينتون بأن داعش
من تأسيس الولايات المتحدة، واستطاع أن يجعل من الذين يسمونه النظام المجوسي أن
ينقلوا هذه الأخبار الكاذبة على صفحاتهم، ويتبنوها. ولكنها المرة الأولى التي يثبت
فيها بتصريح “موثّق” من مصدر مسؤول أن كندا واحدة من الدول التي تساهم
بدعم داعش، وأن هناك كثيراً غيرها.
في
زحمة ملاحقة ثلاث فتيات بريطانيات ثارت شكوك بأنهن ذهبن إلى “ولاية
الرقة” في سورية للالتحاق بتنظيم داعش، ومن خلال كاميرات المراقبة، تم ضبط
الشخص الذي هربهن إلى سورية، وهو يحمل اسماً حركياً: “الدكتور محمد
رشيد”. وبعد إلقاء القبض عليه تبين أنه عنصر في المخابرات الكندية. وفي تصريح
لوزير الداخلية التركي قال: “تبين أن الشخص الذي هرّب الفتيات الإنكليزيات
عنصر في جهاز مخابرات إحدى دول التحالف ضد داعش”. يبدو الأمر إلى هذه النقطة
طبيعياً على الرغم من إيلامه، ولكن ما صرح به الوزير التركي، ولم يُنكره نظيره
البريطاني، وتجنبت الصحف المنقسمة بين الثورية والممانعة والتي تتظاهر بالحياد
نشره، ما يثير القلق أكثر. يتابع الوزير التركي: “اتصلت بنظيري الإنكليزي
وأبلغته بالأمر، فكان رده: ‘كما يحدث عادة’”. عبارة “كما يحدث
عادة” هي أهم ما في القضية، والغريب أن الأطراف المتحاربة كلها مارست حظراً
على هذه العبارة التي لم ينكرها الوزير البريطاني حتى اللحظة وقد مرّ قرابة أسبوع
عليها…
هناك
أكثر من هذا. من دَفَع نفقات وسمسرة نقلهن إلى سورية بما في ذلك بطاقات السفر؟ بالطبع
لو تركنا هذا السؤال دون جواب، لوردت آلاف الإجابات دون أن تصيب الهدف. الدولة
التي أقامت الدنيا ولم تقعدها على تركيا لأنها تسهّل مرور المقاتلين إلى داعش هي
بريطانيا، وهي التي تبكي على مواطناتها الثلاث اللواتي عبرن إلى الرقة عن طريق
تركيا، لتُفجر المفاجأة بأن الأموال محولة من بريطانيا نفسها… يجب الاعتراف بأن
أجهزة الأمن التركية لم تستطع تحديد الجهة الممولة أو لم ترد كشفها، ولكنها
بريطانية بالتأكيد… جواب وزير الداخلية البريطاني “كما يحدث عادة” دليل
على أنه قابل الأمر بشكل متوقع، وأن في الأمر “عادة”، وحكم العادة لا
يأتي من حدث لمرة واحدة أو عدة مرات فحسب، بل يحدث من التكرار الطويل، وهذا له
تفسير واحد هو أن الوزير البريطاني على علم بأن أجهزة مخابرات الدول المتحالفة ضد
داعش هي التي تنقل المقاتلين إلى داعش… هل هذا يعني أن الأسلحة التي كانت
تُسقطها طائرات التحالف إلى داعش أثناء معركة “عين العرب/كوباني” لم تكن
خطأ؟ مجرد سؤال تفرضه الأحداث على الذهن…
تاريخياً
روّج الفرنجة بغزوهم للشرق أنهم “صليبيون”، وأنهم يريدون تحرير بيت
المقدس من المسلمين، ولكنهم قتلوا من مسيحي المشرق أضعافاً مضاعفة، وعندما
“فتحوا” القسطنطينية المسيحية الكافرة قتلوا أهلها، نهبوا
“أصنامها” على أنها كفر وهرطقة، وهذه “الأصنام” اليوم موزّعة
على مدن أوربا كلها ولعل أجملها ذلك الذي يتوسط ساحة سان ماركو في البندقية… هذا
أيضاً يثير سؤالاً آخر: هل مصادفة أن يقتل تنظيمٌ يدعي أنه سني من السنة مئات
الأضعاف ممن يسميهم “الروافض”؟ وهل من المصادفة أيضاً أن تنتشر
“أصنام المنطقة” دليل الكفر في أصقاع العالم؟ هناك من يقول: “إن
التاريخ يعيد نفسه” وهناك من يرفض هذه المقولة، ولكن بالنتيجة هناك متشابهات
تدعو إلى الريبة…
بمناسبة
المتشابهات، على الرغم من محاولة إعلام السيسي وكيل الإمام الفقيه في وادي النيل
بنسب عقوبة “الحرق حياً” إلى الإسلام السني وأبي بكر تحديداً، فإن
“حرق الإنسان حياً” عقوبة أول من طبقها محاكم التفتيش
“الصليبية”، وهي ماركة مسجلة باسمها، ثم طبقها صدرٌ أعظم عثماني على
الحروفيين المسلمين وكان هذا الصدر الأعظم غير مسلم تم تحويله إلى الإسلام، فكيف
دخلت هذه العقوبة إلى من يرفع شعار الحرب ضد الصليبية؟ هل هذه أيضاً مصادفة؟
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث