د. رفعت عامر
يعتقد الكثير من السوريين أن نظام الأسد قد أولى
منطقة الساحل السوري اهتماما خاصا لجهة تقديم الدعم الاقتصادي، وتمييزها عن باقي
المناطق السورية بحكم انتمائه الطائفي للمذهب العلوي. هل وجهة النظر هذه حقيقة
تستند إلى أرقام ودراسات؟ أم شائعات روّجها النظام بنفسه قبل غيره بطرق غير مباشرة
لأهداف وأغراض سياسية خاصة بآل الأسد والمافيا الحاكمة؟ هل كانت سياسته الاقتصادية
تعزز فرص التنمية في الساحل؟
يعتمد الساحل السوري في اقتصاده، تاريخياً، على
الزراعة وصيد الأسماك والسياحة والنقل البحري.
في الزراعة : تعتمد
حكومة النظام على زراعة التبغ بشكل رئيسي، حيث
شراء المنتوج من التبغ من
المزارعين بأسعار بخسة بالكاد تغطي تكاليف الإنتاج بما فيها دخل المزارعين الذين
عاشوا حد الكفاف. بينما كان الدخان يباع في الأسواق بأسعار مرتفعة قياساً بأسعار
الشراء. ولو كانت أسعار الشراء من المزارعين عادلة، لكان مزارعو التبغ في الساحل
من أغنياء سوريا بينما هم في الحقيقة من أكثر السوريين فقرا.
والمحصول الثاني من حيث الأهمية هو الحمضيات
التي يكفي إنتاج سوريا منها لتغطية السوق المحلية وحاجة دول الخليج كاملة لو اتبعت
سياسات تسويق صحيحة وتُرك تصديره لعوامل السوق وليس للسياسة، حيث حصرت الدولة تسويقه
إلى الأسواق الخارجية عن طريق مؤسساتها بشكل رئيسي أو بواسطة بعض التجار الموالين
للنظام. وكلنا يعلم كم كانت علاقات النظام مع دول الخليج غير مستقرة ويشوبها الكثير
من الشك والريبة. لهذا كانت فرص المزارعين بالحصول على منافع تكافئ عملهم في زراعة
هذا المحصول الهام قليلة، وتعاني من تقلبات كبيرة بين مد وجزر دائم، تحملوا أعباءها،
مع غياب سياسات تسويق صحيحة ودعم مالي وفني موجه. حتى أن السوريين صاروا يتناقلون
الحديث عن رمي المزارعين لهذا المحصول في الطريق العام اللاذقية- دمشق. وبأحسن الأحوال
يتم تسليمها في سوق الهال بأسعار رمزية، حيث كان سعر الجملة للمنتج في السوق أقل
من تكلفة إنتاجه. والأنكى من ذلك، أن السلطات السورية كانت تسمح للتجار باستيراد
الحمضيات أحياناً من الخارج رغم كميات الإنتاج التي تفوق حاجة السوق المحلية.
أما السياحة
البحرية فلها شجون أخرى. لم تقم السلطات المعنية بتطوير هذا القطاع أو دعمه رغم
أهميته الاستراتيجية، في حين كانت الدول المجاورة المطلة على البحر المتوسط تنعم
بدخول عالية من السياحة رغم تكاليف هذا المنتج الباهظة في تلك الدول. فلم توضع الخطط المناسبة ولا السياسات التسويقية الملائمة ولا الدعم المالي
أو الفني. وسنوات التسعينيات من القرن الماضي شاهدة على ضياع الفرصة التاريخية
للسوريين والاقتصاد الوطني عندما فتحت الأبواب لدول الاتحاد السوفيتي سابقا بالسفر
إلى سوريا بغرض التجارة والسياحة وتدفقت أعداد هائلة منهم، حتى سميت حلب في عام
1993 م بالمركز الصناعي والتجاري الأول في منطقة الشرق الأوسط. ولكن للأسف لم تصمد
هذه التجربة أكثر من 5 سنوات، انتقلت بعدها الحركة السياحية والتجارية التي سببها
مواطنو دول الاتحاد السوفيتي سابقاً إلى تركيا، حيث نجحت سياسات الدولة التركية الرشيدة
بتحويل المجموعات الهائلة من السياح والتجار من سوريا إليها، على الرغم من القدرات
التنافسية الأفضل للمنتج السوري من حيث السعر، بسبب رخص اليد العاملة السورية والتقاليد
العريقة للصناعات النسيجية، ولكن زيادة الطلب المتسارع حينها مع محدودية العرض
جعلت التجار في السوق السورية غير المنظمة بالمعني المتعارف عليه للسوق كمنظومة
متكاملة اقتصادية تشريعية قانونية اجتماعية، وبدون إجراءات وتدابير حكومية تناسب
التغيرات المفاجئة التي حدثت في السوق وقتها، حرمت السوريين من الاستفادة من هذه
الفرصة التاريخية.
وبالعودة إلى موضوع السياحة في
الساحل السوري الذي يحمل مقومات كامنة كبيرة ترفد الاقتصاد الوطني، لم يتم إطلاق
هذه المقومات بل على العكس من ذلك تم الاستيلاء على آلاف الدونمات واستملاكها من
قبل رجال أل الأسد وشبيحته وبعض من التجار المواليين له، مما حرمَ قطاع السياحة آلاف
الدونمات التي كان من الممكن أن يقام عليها منتجعات ومشاريع رائدة للاقتصاد
الوطني.
أما فيما يخص فرص العمل التي
استفاد منها في الغالب سوريون من الطائفة العلوية فقد كانت سياسة موجهة من قبل
النظام بهدف زعزعة الثقة بين السوريين وجعلهم يتصارعون فيما بينهم على أسس طائفية
مذهبية، في صراعات عامودية، ما قبل وطنية. ودور النظام فيها هو إدارة هذا الصراع
باستخدام سلطة القمع والعنف والإرهاب فقط.
أعداد كبيرة نسبياً من
العلويين انخرطوا في سلك الجيش والشرطة ووظائف مدنية وتحولوا فعلياً إلى شحاذين
متسولين براتب شهري زهيد. بطالة مقنعة تهدف إلى شراء الذمم وتعميم الفساد. قلة
قليلة منهم فقط جمعت ثروات طائلة، والبقية تعيش على الكفاف.
هل بعد هذا يمكننا القول بأن
آل الأسد ساعدوا أبناء طائفتهم، أم أنهم فعلاً دمروا بنية الساحل الاقتصادية والاجتماعية
وجهلوا أبناءه وأفقروهم وكرسوا لديهم ثقافة السلبطة والتشبيح والكسل؟ وأخيرا، لقد
قتل آل الأسد 200 ألف شاب من طائفتهم في السنوات الأربع الماضية من عمر الثورة. فلو
كان بشار الأسد مدافعاً عن الطائفة العلوية، لكان قد اشتغل وخطط وعمل شيئاً آخر
غير الذي عرفناه. إنه فقط يدافع عن مصالحه ومصالح المقربين منه. وهو مستعد لبيع كل
العلويين مقابل بقائه في السلطة.
الصراع في سوريا في جوهره
صراع بين ظالمين فاسدين مُستغلين وشعب سوري، من كل الطوائف، مقهور مذلول مهان ومحروم.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث