أحمد العربي
“سورية ..الاغتراب والعنف”، فصل جديد من فصول
الكارثة السورية التي اعتاد المركز السوري لبحوث السياسات في دمشق، وبالتعاون مع
منظمات دولية على توثيقها عبر سلسلة تقارير ربعية، ترصد الآثار الاقتصادية، والاجتماعية
للحرب الدائرة في سورية. هدف هذا التقرير إلى تحليل الآثار التنموية الكارثية
للنزاع المستمر في سورية، استناداً إلى أحدث البيانات والأدلة المتاحة وباستخدام
النماذج الرياضية. ومن المتوقع أن تسهم مخرجات هذا التقرير في توصيف الحالة
التنموية والإنسانية، وفي توفير أداة تحليلية تتيح فهماً أعمق لجسامة الدمار الذي
طال كل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية. ومن أهم نتائج التقرير:
تفاقم اقتصاد العنف خلال العام 2014 مع اشتداد وتيرة
المعارك، وإعادة تخصيص الموارد ورأس المال في خدمة آلة الحرب. وقد ترافق ذلك مع
توسّع في الأسواق السوداء، وتراجع في السيادة وحكم القانون، وتزايد في الاعتماد
على الدعم الخارجي، وتعمّق الانكشاف الاقتصادي، وخسارة الأمن الاقتصادي. ففي خضمّ
النزاع، يعاني الاقتصاد السوري من هيمنة قوى التسلّط التي تعمل على مأسسة سيطرتها
من خلال العنف. وفضلاً عن ذلك، ومع الضعف الذي أصاب السيادة، فإن الشبكات العابرة
للحدود والعصابات المجرمة المرتبطة بالنزاع ظهرت إلى حيّز الوجود وراحت تنخرط في
الإتجار بالبشر والإساءة إليهم، وفي أعمال السلب والنهب، والخطف والابتزاز، وتجنيد
المقاتلين، والإتجار بالآثار التاريخية.
قُدِّرَ حجم الخسائر الاقتصادية من بداية النزاع حتى
نهاية العام 2014 بمبلغ 202.6 مليار دولار أمريكي، معادلاً حوالي أربعة أضعاف
الناتج المحلي الإجمالي للعام 2010 بالأسعار الثابتة. وانكمش الناتج المحلي
الإجمالي بنسبة 9.9% في 2014. واستمرّ الاستثمار العام في التراجع بمعدّل 17% في
2014 في مقابل تحسن طفيف في الاستثمار الخاص. وقد شكل إجمالي الاستثمار ما نسبته
10.8% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، ممّا أنتج نسبة سالبة في صافي الاستثمارات
في 2014.
سجّلت تغطية الصادرات للمستوردات تدهوراً حادّاً من
82.7% في 2010 إلى 29.7% في 2014؛ وقد تجلّى ذلك في العجز التجاري الهائل الذي وصل
إلى 42.7% في 2014؛ ممّا يعكس انكشاف الاقتصاد على الاقتصادات الخارجية واعتماده
إلى حدّ كبير على المستوردات المُموّلة بصورة رئيسية من خلال القروض الخارجية
والتسهيلات المالية.
بلغ عجز الموازنة العامة كنسبة من الناتج المحلي
الإجمالي 40.5% في 2014. وقد ألقى هذا العجز عبئاً إضافياً على الدين العام الذي
استمر في الارتفاع إلى مستويات قياسية؛ فقد ازدادت نسبة الدين العام إلى الناتج
المحلي الإجمالي الجاري ازدياداً هائلاً من 104% في 2013، إلى 147% بنهاية العام
2014.
تبنّت الحكومة المزيد من سياسات التحرير الاقتصادي
للتقليل من عمليات الدعم عبر رفع أسعار العديد من السلع والخدمات الأساسية. ومن
المتوقّع أن تزيد هذه القرارات من الإيرادات الحكومية، ولكنها مع ذلك ستترك تبعات
اجتماعية واقتصادية كبيرة على معيشة الأسر، وتحديداً الفقيرة منها، وعلى تكلفة
الإنتاج المحلي، بما أن الزيادة في الأسعار تشمل السلع الأساسية مثل الخبز
والطاقة.
تعاني سورية من فقدان فرص العمل والبطالة التي بلغت
57.7% مع نهاية 2014، وفقد 2.96 مليون شخص عملهم خلال الأزمة، الأمر الذي أدى إلى
فقدان المصدر الرئيسي لدخل 12.22 مليون شخص. ومع توسّع اقتصاد العنف، انخرط كثير
من الشباب السوريين في شبكات وفعاليات ذات صلة مباشرة بالنزاع المسلح وغيرها من
الأنشطة غير المشروعة.
أسفر النزاع المسلّح والتدهور الاقتصادي والتفكك
الاجتماعي عن حصول تحوّل في الجغرافيا البشرية في سورية. حيث اضطر أكثر من نصف
السكّان إلى مغادرة أماكن سكنهم المعتادة طلباً للأمان وظروف معيشة أفضل في أماكن
أخرى. كما تفاقمت مستويات التفاوت وعدم العدالة ومعدلات الفقر خلال العام 2014، إذ
أصبح حوالي أربعة أشخاص من كل خمسة فقراء. كما أن ثلثي السكّان تقريباً يعيشون
حالة الفقر الشديد، إذ لا يستطيعون تأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم الأساسية،
الغذائية وغير الغذائية. وبات 30% من السكّان يعيشون في حالة من الفقر المدقع أي إنهم
لا يستطيعون تأمين حاجاتهم الغذائية الأساسية.
سجّلت التنمية الإنسانية حالة من التقهقر، حيث خسر دليل
التنمية البشرية 32.6% من قيمته المسجّلة قبل الأزمة، وتراجع ترتيب سورية العالمي
على الدليل من المركز 113 إلى المركز 173 من بين 187 دولة. ويعتبر التعليم في حالة
انهيار مع وصول نسبة الأطفال غير الملتحقين بالتعليم الأساسي من إجمالي عدد
الأطفال في هذه الفئة العمرية إلى 50.8% خلال العام الدراسي 2014-2015، في حين أن
نصف الأطفال تقريباً خسروا ثلاث سنوات من التمدرس. وتقدر الخسارة من سنوات
التمدرس بحلول نهاية العام 2014 بنحو 7.4 مليون سنة دراسية مما يمثل تراجعاً حاداً
في رأس المال البشري.
تعرض ما يُعادل 6% من السكّان المقيمين للقتل أو الإصابة
أو التشوّه. وثمّة أمرٌ آخر لا يقل فظاعة يتمثّل في الكارثة الصامتة التي أسفرت عن
تراجع العمر المتوقع عند الولادة من 75,9 سنة في 2010 إلى ما يُقدّر بـ 55.7 سنة
بحلول نهاية العام 2014.
وعالج التقرير قضية الاغتراب كانعكاس للفجوة بين الأفراد
والمؤسسات، التي يفترض أنها من إنتاجهم. إذ بات الإنسان عاجزاً عن المشاركة
الحقيقية في تمثيل أولوياته وتطلعاته في النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي
القائم، وغريباً عن الأهداف والسياسات والعلاقات التي يتم تشكيلها في ظل المؤسسات
القائمة. وفي ظل الأزمة، أصبح الشعب السوري مُجبراً على العيش ضمن حالة متفاقمة من
الاغتراب والاستلاب، مع تعاظم الشرخ الاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي بينه وبين المؤسسات
العنفية. وما زالت غالبية الناس تعيش في حالة من الاغتراب عن قوى التسلّط التي
تمكّنت من تطويع البعض في آلة الحرب والاضطهاد والترهيب، التي أدّت أصلاً إلى هدر
القيم الإنسانية للسوريين، وأرواحهم البشرية، وحياتهم. ورغم أن حالة الاغتراب
والاستلاب انتشرت بأشكالها المختلفة من إقصاء وخوف وخضوع ولامبالاة وفقدان الأمل،
ما زال هناك أناس ومؤسسات يرفضون العنف وحالة الاغتراب، ويكافحون سلمياً ضد قوى
الإخضاع والتغريب، الداخلية منها والخارجية.
لم تشكل الأرقام المرعبة التي وردت في التقرير صدمة
للمواطن السوري، أو المتابع للشأن السوري، لأنها تعبير رقمي عن واقع يعيشه المواطن
يومياً. وإنما كانت صفعة “للنظام السوري”، الذي أظهره التقرير على
حقيقته كمجرم مسؤول عن تلك الكارثة، رغم أن المركز حاول توخي “الحيطة
والحذر” أكثر من الحياد في إنتقاء كلمات التقرير، لكن في لغة الأرقام لا مكان
للمجاملة، ولا يصلح شعار بشار الأسد “سورية بخير”. لذلك جاءت تصريحات
وزير الاقتصاد السوري بغاية الغباء، حين انبرى للدفاع عن النظام ضد المعلومات التي
وردت في التقرير، طاعناً بدقة المعلومات بحجة اختلاف المعايير التي استخدمها
الباحثون في إعداد التقرير وبين ما تستخدمه وزارته من معايير، فكان في تصريحه كمن
يعترف بوجود قتيل ولكن الخلاف بكم رصاصة قتل.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث