الرئيسية / Uncategorized / الكاتب في مواجهة التدمير والاستبداد

الكاتب في مواجهة التدمير والاستبداد

هيثم حسين-كاتب وروائي سوري

لا يقتصر دور الأديب على
إبداع نتاجه الأدبيّ ونشره، بل يحتّم عليه الواقع والواجب الأخلاقيّ التعبير عن
موقفه إزاء الكثير من القضايا المعاصرة التي تغيّر تركيبة المجتمعات، وتساهم في
بناء أو تدمير أواصر المحبّة بين الشعوب. ويكتسب موقف الأديب أهمّيّة حين يتصدّى
لزيف الادّعاءات التي تسوقها الأنظمة التي تسعى للهيمنة على مقدّرات الشعوب، تحت
حجج وذرائع الدفاع عنها، ونشر الحرّية والديمقراطيّة التي تبشّر بها.

يمثّل البريطانيّ هارولد
بنتر
(1930 – 2008)، (نوبل للآداب 2005)، نموذج الأديب الذي قام
بدور هام في الكشف المستمرّ عن ألاعيب االمستبدّين والمحتلّين. إذ
لم يرتهن لمزاعم تمجيد
عزلة الكاتب وابتعاده عن قضايا عصره، وهموم مجتمعه، لأنّه وجد فيها فخّاً يبقيه
مقيّداً في دوّامة من الظلال. وسّع من دائرة تأثير الأدب ودوره الحياتيّ.

دافع
هارولد بنتر عن حقوق الشعوب، وتحدّى سياسات التحكّم بها واستنزاف طاقاتها
ومقدّراتها، فكانت كتاباته وأعماله الأدبيّة صدى صادقاً لمواقفه الحياتيّة، وظلّ
يدافع عن القضايا التي يؤمن بها. له الكثير من المواقف المشهودة، فهو علاوة على
كونه مسرحيّاً ناجحاً، وأديباً فريداً، ناصر حقوق الشعوب ودافع عن المظلومين
والمهمّشين والمسحوقين في أكثر من مكان.

يتساءل
بنتر عمّا حلّ بالحسّ الأخلاقيّ وعن وجوده وفعاليته، كما يتساءل عن ضمير الوعي،
ويقصد به ذاك الضمير الذي لا يرتبط بالأفعال الخاصّة فحسب، وإنّما يرتبط كذلك بجزء
من المسؤوليّة الذي هو مسؤوليّة المرء فيما يقدم عليه من أفعال إزاء الآخر. وكذلك
دأب على دعوة العالم إلى التفكير في مخاطر انتزاع الإنسانيّة، ودفع الناس إلى
الاقتتال المتجدّد باستمرار، والحرص على إبقاء النزاعات مستعرة كي تحظى بالهيمنة
على مختلف الأطراف، وتمتلك دوماً مبرّرات التدخّل والفرض.

كما
يتساءل بطريقة استنكاريّة عن عدد القتلى الذي يلزم سفك دمهم ليستحقّ القاتل بعد
ذلك تسمية مجرم الحرب وقاتل البشريّة.. حيث يغدو الموت مجرّد إكسسوار، أو يكون موت
الناس البسطاء بمثابة العدم، حتّى أنّ الكثير منهم لا يحظى بمجرّد العدّ. ويستشهد
بتصريح الجنرال الأمريكيّ تومي فرانك الذي قال فيه: «نحن لا نحصي الجثث». وذلك في
معرض حديثه عن ألوف القتلى في ساحات القتال، أولئك الذين يبقون مشوّهين ويندثر أيّ
ذكر لهم.

ويحرص
بنتر على التركيز على دور الكاتب في مواجهة التمييز والتدمير والاستبداد
والاحتلال، ويقول إنّ حياة أيّ كاتب هي نشاط مفعم بالأعطاب والثلوم إلى ما لا
نهاية، وفعل عارٍ تقريباً. لأنّه يحمّل الأديب مسؤوليّة البحث عن الحقيقة وتقديمها
للمتلقّي، والسعي المحموم للدفاع عنها،
وألّا تعميه الصور المغالطة ولا المواقف المخادعة
المضلّلة، وأنّ عليه التحلّي بمسؤوليّته التي تحتّم عليه المواجهة الدائمة للدفاع
عن إنسانيّة الإنسان.

وقد كانت لبنتر مواقف
كثيرة تدعم مسيرته في التصدّي للظلم ومناصرة الشعوب المظلومة، ففي عام 1985 كان مع
زميله الأديب الأمريكيّ آرثر ميللر في زيارة إلى تركيا، وهناك اكتشف الظلم الذي
يتعرّض له الأكراد المعارضون للنظام، فألقى كلمة في السفارة الأمريكيّة في حفل أقيم
على شرف ميللر، عن ذلك، وأدّى الأمر إلى طرده من الحفل وتضامن معه صديقه ميللر.
كتب بعد ذلك نصّاً مسرحيّاً بعنوان «لغة الجبل» 1988، عن شعبٍ ممنوع من التكلّم
بلغته، يصوّر المواجهة بين أهل الجبل ورجال الشرطة، حيث يدور صراع مستعر بين قوى
الخير المقهورة وقوى الشرّ الظالمة.

وفي موقف لافت ووقفة مع
الذات، يدعو بنتر إلى النبش في خفايا الظواهر والتنقيب فيما وراء السطور، يقول
إنّنا حينما ننظر إلى أنفسنا في المرآة يساورنا الاعتقاد أنّ الصورة التي تقابلنا
على صفحتها أمينة لنا ووفيّة، لكن ما إن نتحرّك بمقدار مليمتر واحد، حتّى تتبدّل
صورتنا. ويرى أنّ المرء ينظر إلى تشكيلة غير متناهية من الانعكاسات. لذا ينبغي على
الكاتب أحياناً أن يكسر المرآة، لأنّ الحقيقة لا توجد إلّا في الجهة الأخرى من
المرآة، ولأنّها تنظر إلينا من هناك بتركيز.

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *