الرئيسية / مجتمع واقتصاد / اقتصاد / بعد إرهاب الدولة … تهريب الدولة

بعد إرهاب الدولة … تهريب الدولة

أحمد
العربي

لطالما
حاول حاكم مصرف سوريا المركزي أديب ميالة تغطية عجز الدولة وفشلها في المحافظة على
قيمة الليرة السورية، عبر إلصاق تهمة التلاعب بها بالمضاربين والسوق السوداء
والإرهاب وغيرها من التسميات التي تطلق على أشباح لا وجود لهم إلا في خياله، واليوم
يوجه إصبع الإتهام نحو بيروت، لتغطية فشل سياساته الداخلية في الحفاظ على قيمة
الليرة، بإدراج تراجعها ضمن فصول المؤامرة الكونية.

و
شهد الاجتماع الأخير للمركزي السوري تصريحات لافتة لميالة، الذي اتهم سوق بيروت
بتوفير المضاربة على العملة، محملاً إياه مسؤولية انهيار الليرة السورية، ومتناسياً
كافة الأسباب الأخرى والتي أدت إلى هذا الانهيار.

وخلال
الاجتماع، كشف ميالة عن قرار المركزي بتوسعة نطاق إجراءاته التدخلية لتصل إلى
السوق اللبنانية، عبر سحب الكتلة النقدية بالليرات السورية المتداولة في لبنان،
بما يتيح ضبطاً أكثر فعالية لحجم المعروض من الليرات السورية المتداولة في تلك
السوق، والتي يجري توظيفها كأداة مباشرة للتأثير سلباً على سعر صرف الليرة
السورية، وفق الحاكم المركزي.

ولكن
يبدو أن سلسلة الإجراءات الفاشلة التي اتخذها المركزي السوري لوقف تدهور العملة،
أفقده جزءاً كبيراً من ثقة السوق، وخير دليل على ذلك ارتفاع سعر صرف الليرة
السورية من حوالي 220 ليرة للدولار إلى 235 ليرة للدولار، بعد دقائق قليلة من
إعلانه عن إجراءاته الجديدة.

وهذه المحاولة لسحب الكتلة النقدية السورية المتداولة
في السوق اللبنانية، بالإضافة إلى كونها محاولة غير قانونية، فهي خطوة مستحيلة، وما
لم يلاحظه المركزي السوري هو أن فقدان العملة السورية لقيمتها، لا يمكن أن يكون
نتيجة المضاربات التي تتم في لبنان، لأن العملة السورية المتداولة في سوق بيروت،
ليست كتلة وازنة كي تضغط على سعر صرفها، مقابل حجم انتشار العملة في سوريا، وتقدير
حجم هذه الكتلة النقدية المتوافرة في لبنان يُعتبر عملية صعبة، لا بل مستحيلة.

والنقطة الثانية التي يجب التركيز عليها متعلقة
بالآلية التي سيعتمدها المركزي السوري للتدخل في سوق بيروت وشراء العملة السورية
منها، ومدى قانونية هذا الإجراء، فبحسب الأوساط المالية والمصرفية في لبنان، يعتبر
هذا الإجراء مستحيلاً، لكون المصرف المركزي السوري لا يمتلك أي سلطة قانونية
لتنفيذ ذلك، وقرار المركزي بالتدخل في السوق اللبنانية يعني الطلب من السلطات
النقدية اللبنانية ممارسة ضغوط على المصارف اللبنانية للتخفيف من
“المضاربة” على العملة السورية وتوقف التعامل فيها. علماً أن هذه
المصارف لا تضارب ولا تتعامل بالليرة السورية نتيجة العقوبات الغربية المفروضة على
دمشق، أما المضاربة على الليرة السورية من لبنان فتتم عبر بعض مؤسسات الصرافة والأفراد
وليس عبر المصارف.

وأيضا،
فيما يتعلق بالآلية التي سيعتمدها المركزي السوري للتدخل في سوق بيروت، فهذا الإجراء
العملي، وفي حال نفذ، سيتم عبر شراء كميات كبيرة من العملة السورية الموجودة في
هذه السوق، مقابل كميات من العملة الأميركية. فكيف سيتم إخراج هذا الكم من القطع
الأجنبي من سوريا إلى لبنان في ظل العقوبات المفروضة على دمشق، وتشدد السلطات
النقدية اللبنانية في مراقبة العمليات المصرفية التي تتم بين البلدين خوفاً من أي
إجراء عقابي دولي قد يطالها لخرقها العقوبات؟ (وهذا إذا اعتبرنا أن المركزي السوري
اعتمد الإجراءات القانونية في عملية نقل الأموال. علماً أن نقل

كميات
كبيرة من النقد الأجنبي من مصرف مركزي إلى خارج البلاد ممنوع بحسب القوانين
المصرفية الدولية)، وكيف يمكن لمصرف مركزي، غير لبناني، الإعلان علناً عن نيته في
التدخل في سوق بيروت من دون تنسيق مع السلطات النقدية اللبنانية المعنية وعلى
رأسها مصرف لبنان؟ وألا يُعتبر قرار المركزي السوري انتهاكاً للسيادة اللبنانية
بغض النظر عن أهدافه؟ وكيف تمكن المركزي السوري من تحديد حجم الكتلة النقدية من
الليرة السورية في لبنان لسحبها وتغطيتها بنقد أجنبي؟ وهل يمتلك الكميات الكافية
من هذا النقد لتغطيتها لفترة غير قصيرة؟

هذا من الجانب العملي لتنفيذ تصريحات ميالة، ولكن لنناقش
علمياً تلك التصريحات لتكتمل الصورة في أذهاننا ولنعرف حقيقة ما وراء تلك
التصريحات.

إن حجم المعروض النقدي (كمية النقود) من العملة المحلية
في دولة ما، يكون محسوباً بشكل دقيق تبعاً للنشاط الاقتصادي. حيث تؤدي زيادة أو
نقصان حجم المعروض النقدي إلى التضخم، أي فقد العملة لجزء من قيمتها. فنقص هذا
المعروض يدفع الدولة إلى طبع كميات جديدة من العملة لتغطية حاجة السوق، الأمر الذي
يؤدي إلى استهلاك كميات من احتياطي النقد الأجنبي والذهب وبالتالي انخفاض قيمة
العملة. وهذا النقص قد يحدث نتيجة خروج كميات كبيرة من العملة المحلية خارج حدود
الدولة، ولكن ليس نتيجة عمليات تهريب أو مضاربة كما يدعي السيد ميالة. بل كما حدث
في حالة الكويت إبان احتلالها من قبل العراق، حيث قام الجيش العراقي بنقل محتويات
المصارف الكويتية من الدينار إلى العراق. الأمر الذي سبب نقصاً حاداً بالدينار
الكويتي بعد التحرير. أو كما حصل في السودان بعد انفصال جنوبه عنه، حيث خرجت كامل
الكتلة النقدية الموجودة في الجنوب من التداول. وفي كلتا الحالتين لجأت الدولة إلى
تغيير العملة وإبطال العملة القديمة، وهو الحل الوحيد. فلم تتدخل الكويت في سوق
بغداد النقدي لشراء الدينار، وكذلك فعلت السودان.

وإن كانت الكتلة النقدية المتداولة في سورية تبلغ 650
مليار دولار، فكم سيكون منها في لبنان؟ بضعة مئات من الملايين؟ أي أنها لن تؤثر
على سعر الليرة السورية بالشكل الذي يصوره المركزي السوري. وإن كانت الكميات بتلك
الخطورة، فلماذا لم يتبع المركزي السوري القواعد العالمية بتبديل العملة وإبطال
العملة القديمة؟ الإجابة شديدة الوضوح، لأن السبب ليس كميات العملة الخارجة عن
السيطرة، وإنما الهدف من تصريحات ميالة وتلك الخطوة، هو تهريب كميات كبيرة جداً من
الدولار خارج سورية بشكل قانوني. إما لصالح مسؤولين كبار في الدولة من ذوي
المليارات، أو لإيصال التمويل الإيراني لحزب الله بعيداً عن الرقابة الدولية. حيث
يسهل إيصال الأموال من إيران إلى سوريا عبر العراق، ومن ثم يقوم المركزي السوري بغسيل
تلك الأموال وإيصالها إلى لبنان بحجة التدخل وإنقاذ الليرة السورية، إذاً، هذه
الخطوة تعد من أكبر عمليات تهريب وغسيل الأموال بشكل قانوني في العالم.

شاهد أيضاً

سوريا تتجه لخفض تكاليف النقل بعد تخفيض أسعار المحروقات

أكد مدير الاتصال الحكومي بوزارة الطاقة السورية أحمد السليمان، أن قرار تخفيض أسعار المحروقات سيؤثر …

مليارات ضائعة في عقد “السكر”.. فساد جديد من حقبة نظام الأسد .. والرقابة تسترد المبلغ

أعلن الجهاز المركزي للرقابة المالية في سوريا عن استرداد نحو 46 ملياراً و790 مليون ليرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *