د. رفعت عامر
عملت السياسات الإسرائيلية، منذ احتلالها الأراضي
العربية، على قتل روح المقاومة واجتثاثها على كل المستويات الرسمية والشعبية من
خلال:
1- الانقضاض على التجربة الناصرية بحرب حزيران 1967.
وبعدها أصبح مستبعداً قيام نظام عربي مقاوم. حيث عملت إسرائيل على ترتيب كل
الملفات الدولية الإقليمية والداخلية بما يُبعد احتمال ظهور زعيم عربي جديد يحمل
مشروعاً قومياً مناهضاً للاستعمار كجمال عبد الناصر (بصرف النظر عن فشل التجربة
ودون الخوض في الأسباب الموضوعية والذاتية التي أدت إلى انهيارها، بقي عبد الناصر
في أذهان العرب الزعيم الوطني المقاوم لكل إشكال الاحتلال الخارجي بكل صدق ونزاهة).
وبعده غابت ظاهرة الزعيم الوطني المقاوم للاحتلال فعلا وليس قولاً، كالأسد وصدام
حسين اللذين ادعيا الانتصار في حرب تشرين 1973 وفي الحقيقة كانت معركة لإضفاء الشرعية
على وجودهما كمقاومين. وتبين فيما بعد أنهما عملا على تفريغ هذا المفهوم من محتواه.
كما كان الأسد والسادات وجهان لعملة واحدة، وإن اختلفا بالشكل في معالجة القضية
الفلسطينية ولكنهما من حيث المضمون والفعل واحد. لقد خدما إسرائيل أفضل خدمة بدون
حروب.
2- عملت إسرائيل على إنهاك النفس الشعبي المقاوم بعد
أن أصبحت كل الأنظمة العربية مطية بيديها، لقد حمت وجود الأسد ومدته بالشرعية
الدولية مقابل تخلى الأسد عن القضية الفلسطينية والأراضي السورية المحتلة وتقديم
خدمات الشرطي الحارس لمصالح إسرائيل والمنظومة الدولية. ولم يعد مسموحاً التدخل في
الشأن الداخلي السوري، وأصبح الأسد متفرغاً لترسيخ حكمه الأبدي، مع دور وظيفي إقليمي
مهم. وهذا ما يفسر أحد أشكال التعقيدات التي ارتبطت بإخفاق الثورة في تحقيق
أهدافها والموقف الدولي المتردد.
لقد مارس نظام
الأسد كل صنوف القهر والتعذيب والتنكيل حتى أصبح مثلاً تردده ألسنة الشعوب العربية،
وتترحم فيه على إسرائيل التي أصبحت نموذجاً ناعماً قياساً لجلافة وبطش وصلافة
النظام السوري.
3- تتبع إسرائيل حالياً سياسة ناعمة في الغالب،
وصلبة أحياناً، للقضاء على المنظمات التي حددت لنفسها أهدافاً معلنة بتحرير
الأراضي ومحاربة العدوان، على شاكلة حزب الله، ولكنها في الحقيقة مرتبطة بأجندات
دول إقليمية تدافع عن مصالحها.
تعمل إسرائيل حالياً
لجعلها بدون حواضن اجتماعية من خلال تركها تتورط في حروب وصراعات داخلية، حتى
أصبحت هذه التنظيمات أسوأ من النظم الحاكمة.
عام 1991 بعد تشييع النظام السوفيتي وسقوط هيبة
النظام الرسمي العربي، ظهر مشروع شمعون بيريز “الشرق الأوسط الجديد” الذي
صور فيه المرحلة القادمة على أنها مرحلة سلام معلن مع الدول العربية. وقد حملَ
المشروع عناوين اقتصادية واضحة، معتبراً التطبيع الفعلي مع الدول العربية نتاجاً
لمشاريع الاقتصاد. ولكن المشروع لم ينفذ حينها لأسباب عدة، منها غياب مزاج عربي
عام، وعلى الأخص سوري، قابل لفكرة السلام مع إسرائيل، وتعنت نظام الأسد الذي رأى
فيه تهديداً لشرعيته القائمة على المقاومة. فهو لم يجد أن الوقت قد حان بعد لإعلان
التطبيع الرسمي، وأسباب أخرى إقليمية.
لقد
استوعب القادة الإسرائيليين حينها أنهم ما زالوا بحاجة لوقت أكبر لكسر روح المقاومة
عند الشعوب العربية بعد غياب كامل لأنظمة معادية لها، وعلى الأخص السوريين منهم. فكان
لابد من ترك الأنظمة تكمل بنفسها مشروع قتل روح المقاومة لدي شعوبها. ونظام الأسد
خير دليل على ذلك.
نعم لقد عملَ الأسدان طوال السنوات الماضية على
الساحة الإقليمية وفي الداخل السوري ما وفرَ كل الظروف والشروط الملائمة لتحقيق مشروع
بيريز في الشرق الأوسط. حتى ولو كان المدخل والإعداد له حالياً من بوابة السياسة أولاً
والاقتصاد بالدرجة الثانية.
لقد حول الأسد حلم بيريز بعد 24 سنة على مروره إلى
حقيقة قابلة للتنفيذ. وصارت منطقة الشرق الأوسط المتصورة في مشروع بيريز، بسوقها الواسعة
مع حرية تنقل المنتجات وعناصر الإنتاج وخط للسكة الحديد ممتد من تركيا مروراً بسوريا
ولبنان والأردن إلى إسرائيل ومن ثم إلى مصر ودول الخليج، منطقة تتكامل فيها كل
عناصر الإنتاج من رأس مال خليجي ومصادر الطاقة القريبة، واليد العاملة العربية
الرخيصة، مع التكنولوجيا والأفكار والمعلومات والإدارة الإسرائيلية، ما سيجعل من
إسرائيل قوة اقتصادية عملاقة في المنطقة والعالم. وستحتفظ الكيانات العربية بدورها
كمصدر للمواد الخام، وكسوق لتصريف المنتجات التي سيكون المحتوى العلمي والتقني
والمعرفي لها إسرائيليا. وسيشكل 80% من أسعار المنتجات النهائية. هذا ما خطط له بيريز.
وسيعاد المشروع للطرح، بعد أن يُكمل الأسد مهمته في تدمير سوريا الدولة والمجتمع. وعندها
سيصبح تنفيذه سهلاً وبشرط إسرائيلية كاملة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث