دمشق – ريان محمد
يقترب السوريون من إكمال عامهم الرابع، منذ بدء الحراك المطالب بالحرية
والكرامة، والذي سرعان ما تمت مواجهته بعنف دموي مفرط قتل وشرد ملايين السوريين
ودمر مدناً وقرى، و يوماً بعد آخر، تزداد الأعباء المعيشية لذوي أصحاب الدخل
المحدود، حيث أصبح مستوى معيشتهم ينخفض شهراً بعد آخر، بينما قلة قليلة أصابها
الثراء الفاحش وهيمنت على الدولة وزرعت الفساد في جميع مفاصلها.
يقول أبو فراس، وهو موظف في القطاع العام بدمشق، “بعد خدمة نحو 20 سنة
في الدولة يصل راتبي بعد الخصومات إلى 22 ألف ليرة سورية، ولدي عائلة مكونة من
ثلاثة أولاد وأمهم. هل تعلم ما يعني أن يكون دخلك 22 ألف ليرة (أي ما يساوي 88
دولار) ويجب عليك أن تدفع فواتير الكهرباء والهاتف والماء، وأن تأكل وعائلتك وتدفع
تكاليف المواصلات، وأن تشتري الثياب وتعالج جميع أفراد العائلة؟”، لافتاً إلى
أن “دخله كان قبل الأزمة نحو 15 ألف ليرة عندما كان سعر صرف الدولار 50 ليرة
أي أنه كان بحوالي 300 دولار. لكن اليوم الـ 300 دولار تساوي 75 ألف ليرة”.
وأوضح الرجل الأربعيني “بالطبع لم يكن الوضع جيداً حينها، فقد كنا
نشكو من الغلاء ومن أن الراتب لا يكفي لآخر الشهر، ولكننا كنا نتدبر أمورنا،
بمساعدة بعض الأعمال الإضافية، أما اليوم، حتى مع الأعمال الإضافية، نعجز عن تأمين
أبسط الاحتياجات المعيشية اليومية”.
وحول الزيادة الأخيرة التي تمت إضافتها على دخل العاملين في القطاع العام،
قال “شر البلية ما يضحك، أربعة آلاف ليرة بدل غلاء معيشي، ألا يعلم أن هذا
المبلغ هو ثمن حذاء واحد متوسط الجودة، وأنه قد يكفي لغداء واحد يجمع العائلة، ولن
يمكنني من شراء جاكيت شتوي؟”.
من جانبه، قال مؤيد، شاب في الثلاثين من عمره، خريج جامعي منذ عام 2010 ولم
يجد فرصة عمل إلى اليوم، لـ “صدى الشام”: “هذا هو العام الخامس على
تخرجي من جامعة دمشق كلية علم الاجتماع، وإلى اليوم لم أجد فرصة عمل حقيقي يحقق لي
الاستقرار الذي يحلم به كل شاب”، لافتا إلى أنه “يدّرس بعض الفتية
أحياناً، وأحيانا أخرى يعمل هنا أو هناك لكن بالمجمل لا يستطيع أن يوفر احتياجاته
الشخصية”.
وأضاف “كم هو محظوظ من يحصل على وظيفة في القطاع العام، فرغم الراتب
القليل، إلا أنه يجد أول الشهر راتباً يعينه على تأمين احتياجاته الأساسية”.
وقال بنبرة ممزوجة بالحسرة “اليوم أصبحت الوظيفة حلماً أكثر من قبل،
فيجب أن يكون لديك تزكية لدى وزير أو مدير عام على الأقل، لتحجز وظيفة من تلك
الوظائف التي تعد على أصابع اليد”.
وفي هذا السياق، قال محلل اقتصادي “وضع الدخل في سوريا متردٍ جداً
بسبب فقدان الليرة قيمتها الشرائية بالتزامن مع ازدياد نسب التضخم التي جاوزت الـ 200%”،
مبينا أن “سعر صرف الدولار الأمريكي الواحد عام 2011 كان نحو 50 ليرة، أما
اليوم فهو 250 ليرة، في حين أن الإنتاج المحلي شبه متوقف واعتمادنا على المستوردات
يزداد بشكل يومي، ونسبة البطالة زادت عن 54%”.
وأوضح الخبير الذي فضل عدم ذكر اسمه لـ”صدى الشام” أن
“متوسط دخل الفرد، في سقفه الأعلى، يبلغ نحو 18 ألف ليرة، وإذا أضفنا عليها
الأربعة آلاف (التعويض المعيشي) يصبح المتوسط 22 ألف ليرة، أي نحو 88 دولار.
وبعملية حسابية بسيطة تعتبر حصة
الفرد في اليوم هي 146 ليرة تقريبا، أي نحو 58 سنت أميركي، في حين أن خط الفقر
المدقع هو 1.25 دولار أمريكي، بحسب البنك الدولي، أما في الولايات المتحدة
الأمريكية فخط الفقر هو 11.490 دولار أميركي”.
وذكر أن “تدهور الحالة المعيشية للفرد السوري بدأ يدق ناقوس الخطر،
لما له من انعكاسات على المجتمع ككل، فالإنسان عندما يقع بالعوز قد يتوجه إلى
تحصيل دخل جديد عبر الطرق غير القانونية، فكيف إذا كان الحال كما هو في البلاد،
حيث أن العنف منتشر بأعلى مستوياته والسلاح منتشر بين المدنيين بكثرة، والقانون
شبه غائب”.
واعتبر أن “الفقر هو أحد العوامل المهمة في ازدياد نسبة العنف، فقد
تحول القتال إلى مصدر دخل أساسي في مناطق النظام والمعارضة، وهو أمر بات يهدد وحدة
النسيج الاجتماعي السوري”.
ورأى أن “الحل اليوم لا يمكن أن ينجز إلا عقب توقف القتال، والقيام
بثورة إنتاج اقتصادية، تؤمن تنمية حقيقية، وليس الغرق في الفقاعة العقارية التي قد
تكون مغرية لسنوات لما ستشكله من قيمة مضافة في بلد دُمِّر معظمه، كما يجب إعادة
توزيع الدخل بشكل عادل عبر تغليب كتلة الرواتب والأجور على كتلة الأرباح، إضافة
إلى ربط الأسعار بالدخول، ما يساعد على تحقيق استقرار معيشي”.
إلى أن آخر الدراسات الاقتصادية، التي صدرت مؤخراً عن المركز السوري لبحوث
السياسات، أفادت بأن 75% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، في وقت أصبح الأمر مهدداً
بالتفاقم، مع استمرار الصراع الدموي في البلاد وعدم وجود بوادر حل يوقف مأساة
السوريين ويحفظ ما تبقى منهم.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث