ثائر الزعزوع
سأستبق الذكرى الرابعة لانطلاق الثورة المباركة أي قبل أن ينقسم السوريون إلى فصيلين بسبب اختلافهم على التاريخ، بين جماعة 15 آذار وجماعة 18 آذار، تماماً كما انقسموا خلال الأسبوع الفائت حول أحقية زهران علوش بقصف دمشق، واختلفوا حول تفسيرهم أو تبريرهم لقيام تنظيم داعش بإحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة وحدثت بينهم شجارات وصراعات، وكما اختلفوا في كل شيء تقريباً، ولعلهم لم يتفقوا إلا على حقهم في الثورة، وربما إصرارهم على سقوط النظام، وهذه أقصد سقوط النظام أيضاً فيها اختلاف وخلاف في المرحلة التي ستلي ذلك اليوم المنتظر، ولعل استباقي وتساؤلي عما بقي من سوريا له ما يبرره فلو أحصينا الخراب الذي حدث خلال السنوات الأربع التي مرت بالورقة والقلم لتخيلنا أننا فعلاً أمام نهاية مأساوية، ولقلنا في دواخلنا إن سوريا انتهت ولن تقوم لها قائمة بعد الآن، و ربما تكون هذه السوداوية وهذا التشاؤم مبرراً لطالما أن آلة القتل مستمرة والخراب مستمر، ولا شيء يتغير، فالنظام باق وينحسر ببطء شديد، وقد ضافت عليه البلاد فحوصر كلياً في مربع صغير داخل دمشق، يحيط بقصره عشرات الآلاف من الحراس والشبيحة والحرس الثوري ومرتزقة حزب الله، ولأن داعش كما تقول إحداثيات المعارك على الأرض بدورها بدأت تفقد شيئاً من سطوتها وخصوصاً بعد فقدانها السيطرة على مدينة كوباني، إلا أنها ما زالت باقية وتسلط سيفها على رقاب الناس، ومؤخراً لم تعد تكتفي بسيفها بل ابتكرت وسائل حديثة أكثر إجراماً وبشاعة، أقول إن كل هذا يشير إلى أن سوريا قد انتهت ولم يبق منها شيء، ولن يبقى فيها شيء، لكني أعتقد أن هذا التشاؤم هو أشد خطورة من كل ما حدث لأننا بذلك نفقد قدرتنا على بناء الحلم، وهذا بحد ذاته يعتبر انتصاراً للنظام ولداعش حتى وإن سقطا وزالا من على وجه البسيطة، فهذا هو المطلوب من قبل المشغلين الذين يقفون وراء عصابة الأسد وعصابة داعش، أن يكف السوريون عن الحلم وينكفئوا يداوون جراحهم ويحولون سوريا إلى مكان للنواح والعويل وينسون لماذا قاموا بالثورة أصلاً، وساعتها ستنهال الأعطيات لإعادة التعمير والبناء.
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية تسلم الألمان بلدهم مقسماً مدمراً لا يوجد في عاصمتهم حجر على حجر، ولم تكد تمر سوى سنوات حتى تسيدت ألمانيا اقتصاد العالم وقدمت نموذجاً استثنائياً بأيدي أبنائها وبتخليها عن العنتريات الفارغة، فلم يشعر الألمان بالانكسار ولم يتخلوا عن أحلامهم، ولذلك تحولت ألمانيا إلى دولة حلم، والأمر نفسه حدث مع اليابان التي شهدت واحدة من أكبر مجازر التاريخ حين ألقيت قنبلتين نوويتين على هيروشيما وناغازاكي، ولعل هذين النموذجين يكفيان وليس ثمة ضرورة للاستطراد باستجلاب النماذج من التاريخ الحديث والقديم، المهم أن يبقى الحالم قابضاً على حلمه، وأن يؤمن أن الحرية التي سعى لأجلها لن تتحقق بمجرد سقوط النظام وزواله مع كل مخلفاته الإجرامية على الأرض، بل إن طريق الحرية يبدأ من هناك، من تلك اللحظة الفارقة التي سيبدأ عندها تاريخ “سوريا الحرة”.
راقبت وبحزن شديد انهيار الحلم اليمني، وتابعت تعليقات السوريين تحديداً على وصلت إليه الأوضاع في اليمن، وقد بدا الجميع متألمين وشعروا بخيبة أمل حقيقية لما وصلت إليه حال اليمن، وللتذكير فقط فإن ثورة اليمن كانت سلمية ولم يحمل متظاهرو ساحاتها السلاح، وظلوا واقفين بكل ثبات إلى أن احتال عليهم ثعالب السياسة ودمّروا حلمهم، و باعوهم مبادرة رخيصة، ولا يهمني هنا إن كانت إيران أو سواها من أوصلت اليمن إلى ما وصل إليه، ما يهم هنا أن ثورة اليمن تم التحايل عليها، تماماً مثل ثورة مصر، واختصر حلم الحرية الكبير بإقالة رئيس مستبد وترك البلاد نهباً لكل احتمالات الفوضى والألاعيب، الثورة لا تقبل أن تكون منقوصة، ولا الحرية تقبل أن يحتال عليها أحد.
منذ ثلاث سنوات ونيف قالت امرأة من حوران عبارة لا يزال صداها يتردد في أذني: قولوا لبشار الأسد أنت مجنون، بحياتك سمعت عن ثورة رجعت لورا، الثورة تشيل الأخضر واليابس وراح تشيلك إن شاء الله.
هذا التعريف الاستثنائي الذي وضعته تلك المرأة هو ما جعل الحلم يظل قائماً، وهو ما سيبني سوريا مستقبلاً. ليس مهماً ما بقي أو ما سيبقى منها الآن، المهم ما ستكون عليه غداً: وحانن للحرية حانن…
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث