أحمد العربي
إن النجاح المبهر لحزب “سيريزا” اليساري في اليونان، والصعود السريع لحركة “بوديموس” اليسارية في إسبانيا، يطرحان أسئلة كثيرة بشأن ميلاد يسار جديد في أوروبا، التي ظل يهيمن على حكمها اليمين المحافظ واليسار المعتدل عقوداً، فهل يتعلق الأمر بتحول جذري في ثقافة الشعوب الأوروبية وقيمها، أم إن الأمر يتعلق فقط بحالات معزولة استفادت من حدة الأزمة الاقتصادية الصعبة التي ضربت دول جنوب أوروبا، وفرضت على شعوبها سياسات تقشفية، دفعتها إلى أن ترى في شعارات اليسار الجديد خشبة نجاتها الأخيرة؟
في البداية، لنحاول رسم ملامح هذا اليسار الناهض، فما يجمع بين “سيريزا” اليوناني و”بوديموس” الإسباني، ليس فقط الانتماء إلى اليسار الجديد الذي يختلف مع يسار الأحزاب الشيوعية واليسار الراديكالي، وإنما أيضاً معارضتهما السياسات الاقتصادية والمالية التي فرضتها أوروبا على دولهما، في عز أسوأ أزمة اقتصادية تعيشها أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
في اليونان، أدت سياسات التقشف التي فرضتها المفوضية الأوروبية وصندوق النقد الدولي على أثينا إلى إلغاء دعم المواد الأساسية، وإفقار الشعب اليوناني الذي لم يعد يثق في الأحزاب السياسية التي يٌحمِّلها مسؤولية الأزمة الاقتصادية، وعندما تشكل ائتلاف لأحزاب يسارية صغيرة، تحت اسم “سيريزا”، التي تعني “نحو الجذور”، وعد اليونانيين بوضع حد لسياسات التقشف التي أضرت الطبقات الفقيرة، ورأى فيه أغلب الناخبين اليونانيين بارقة الأمل الوحيدة لهم، للخروج من نفق الأزمة، ومنحوه أصواتهم التي حملته إلى حكم بلادهم.
أما حزب “بوديموس”، التي تعني “نحن نستطيع”، فبدأ حركة احتجاجية ضد سياسة التقشف، انطلقت مظاهراتها عام 2011، رافعة شعارا معبراً “الشعب الموحد لا يحتاج أحزاباً”، المستلهم من شعار “الشعب يريد” الذي رفعه المتظاهرون في ثورات “الربيع العربي”، وبعد خمسة أشهر فقط من تأسيسها حزباً، حصلت على 8% من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، واليوم تضعها استطلاعات الرأي في المركز الثاني، بعد الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني.
تنبني أيديولوجية هذا اليسار الجديد، الذي يمكن أن نصفه بـ “اليسار الواقعي” أو “اليسار الاجتماعي”، على فكرة بسيطةٍ، تقوم على الإنصات إلى نبض الشارع، والتحدث بلسان الناس، والتخلي عن الشعارات الإيديولوجية الكبيرة، والمفاهيم الغامضة، والمعاداة الكلاسيكية للرأسمالية والليبرالية، والتركيز على المطالبة بالعدالة الاجتماعية.
هذه المواقف خلقت حزازات بين هذا اليسار الجديد واليسار الراديكالي، ففي مقال منشور على موقع “الحزب الشيوعي اليوناني”، وصف أحد قادة هذا الحزب “سيريزا” بأنه مجرد “عجلة احتياط يسارية” للرأسمالية! أما زعيم حزب “بوديموس” الإسباني بابلو أغليسياس، فيلخص أيديولوجية حزبه في مقولة “الخبز والسلام”، ويشرحها: “المفتاح هو تحليل صيرورة التاريخ واستخلاص دروسه، وأن نفهم، في كل لحظة من التاريخ، أن شعار (الخبز والسلام) إذا لم يكن متسقاً مع مشاعر الناس وأفكارهم، فسيكون مجرد تكرار، على شكل مهزلة، لنصر مأسوي من الماضي”.
تشهد عدة دول أوروبية صعوداً لليسار الجديد: حزب «دي لينكي» في ألمانيا، وتحالف «الأحمر- الأخضر» في الدنمارك وهولندا. وفيما خلا شرق ألمانيا وسلوفينيا وتشيكيا وكراوتيا إلى حد ما، هذه الأحزاب ثانوية وهامشية في أوروبا الوسطى والغربية، ويبدو أن سكان هذه الدول لم ينسوا الماضي الشيوعي لهذه الأحزاب .
وتتـــقدم الأحزاب اليسارية الراديكالية في إسبانيا واليونان والبرتغال، أي في الدول التي خلفــــت فيها سياسة «الترويكا» الأوروبية آثاراً بالغة السلبية، ونجم عن هذه السياسة ارتفاع البطالة في صفـــوف الشباب وتعاظم هوة اللامساواة الاجتماعية، ولكن هذه الأحزاب لا تلفظ المشروع الأوروبي، على رغم توجيه سهام النقد إلى الوجه الذي رست عليه أوروبا والاتحاد الأوروبي.
ويستعـــيد خطاب أحزاب أقصى اليسار قضايا الأحـــزاب الشيوعية في السبعينات، ويقرنه بالتنديد برأسمـــالية الدول الأوروبية (أوروبا الوسطى ) التي تحاكـــي الرأسمالية الأمريكية، ولا تدعو هذه الأحــزاب إلى تقوقع قومي، وترفع لواء أوروبا تنتهج سياسة أخرى وتلتزم نوعاً من الكينزية الأوروبية، وترسخ الديموقراطية في المؤسسات الأوروبية.
إن نجاح أحزاب اليسار الجديد في أوروبا لم يأت من فراغ، وإنما كان حصيلة لثلاثة أمور هامة،
أولها: وعي تلك الأحزاب لمأزقها التي كانت فيه، وحالة الجمود الفكري والإديولوجي الذي أدى إلى تحولها إلى أحزاب خشبية مرفوضة شعبياً، حيث أصبحت كلمات مثل( يساري، شيوعي، يميني) تمثل سبةً في أوروبا ،الأمر الذي دفعها إلى إعادة تقييم أفكارها وتكييفها مع متطلبات العصر .
ثانيهما : التصاق هذه الأحزاب بنبض الشارع في بلدانهم وعدم التحول إلى نخب تنظيرية ، حيث خرج حزب بوديموس الإسباني من رحم احتجاجات عام 2011 والتي تزامنت مع الربيع العربي، واليوم لديه ملايين المؤيدين في الشارع، كما أن سيريزا أيضاً استغل موجة التغيير العالمي التي بدأها الربيع العربي، فاقتبس شعارات الثورة السورية، حيث أصبح شعاره (استعادة الكرامة لليونانيين).
ثالثها: هو قدرة تلك الأحزاب على الخروج من قوقعة الإديولوجيا والتقسيم بناءاً عليها، لتتبع الطبقات الاجتماعية معياراً لها، فضمت بذلك العديد من المناصرين إلى صفوفها من اليسار ومن اليمين، حيث يلخص زعيم بوديموس الإسباني فلسفتها بالقول: ” لا يصوت الناس لشخص ما، لأنه وفي لاديولوجيته وثقافته وقيمه، بل يصوتون له، لمجرد أنهم يتفقون معه “.
تلك الأسباب الثلاثة التي أدت إلى بعث اليسار في أوروبا من جديد، هي ذاتها نقاط ضعف الأحزاب العربية التي حالت دون قدرتها على استغلال موجة الربيع العربي ونفض الغبار عنها .
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث