الرئيسية / Uncategorized / أم كلثوم ونس البهجة المفتقدة

أم كلثوم ونس البهجة المفتقدة

محمد طلعت حمدي ..
كاتب وباحث مصري

الحبور.. السرور.. الونس…
اجتمعت كل هذه المفردات في حالة “البهجة” التي لخصها فكرها على أوتار صوتها،
فمن الفن ما أحيا ومن الفكر ما أبهج.. هكذا كانت أم كلثوم ثروة فكرية متسقة مع ما تقدمه
من فن يثير النفوس الملتاعة بكل القيم والمباديء العليا للأخلاق التي تبني فينا الإنسان
المفتقد في زمننا الآني الرخيص. لذا فليس من الغريب أن يهتف المصريون في حضرتها بـ”عظمة
على عظمة يا ست”، فهم لم يجدوا من نداء يليق بها إلا “الست” التي تعني
“العرش” في اللغة المصرية القديمة، والتي قد استخدمت نداء لكل امرأة عظيمة
الشأن.

أربعون سنة منذ رحيلها
عن عالمنا، والست باقية تعيش بيننا، فهي لم تكن مجرد مطربة، بل كانت حالة من الونس
والبهجة التي يلتف حولها كل من ينطق ويسمع ويفهم لغة الضاد.. أدركت أن اللغة هي وسيلتها
الوحيدة لخلق جو من الحيوية والمشاركة في فرح الناس ووجعهم.. فجمعت الست مفرداتها الخلابة
الساحرة التي تستوعبها كل اللهجات العربية من الخليج للمحيط.. ومن هنا كانت خطورة الطرح
الفكري والقيمي الذي قدمته أم كلثوم.

حرصت الست على مر تاريخها
أن تقدم نوعا من الونس الذي يجمع ولا يفرق العالم العربي حول البهجة المغلفة بطابع
من الآلق العرفاني، وهذه الحميمية الفكرية الكلثومية تجعل من يصغي إليها يفكر بدوره
متسائلا حول الطرح المعرفي في كلمتها المغناة المحصورة في: هل ثمة عشق حقيقي يمكنه
صناعة محب على قدر عال من النبل والكبرياء والتضحية؟ كيف بعث الوطنية من رماد المحنة
والانتكاسة؟ متي وأين تكون بطلا في عيون المحبوب والوطن؟ لماذا البكاء والدمع على من
هان وخان وخرق وعود الوفاء الإنساني ليرتقي سلم الشهرة المزيفة على حساب المحبة والقيم؟
لو لم يكن هناك فكر حر مبدع، فهل سيكون هناك إنسان حالم ثوري غيور على وطنه وعلى محبوبه؟
هل يمكن للقلب أن يعشق رغم مأساة حاضره القبيح؟ ومتى يكون الإنسان تقيا متدينا ومتحضرا
في نفس الوقت؟ كيف تطوف الروح البيت المعمور دون حج أو اعتمار؟ كيف نفهم الحياة ولعبة
الأقدار؟

قدمت الست طرحها الفكري
والثقافي في ثوب ديمومة البهجة الحياتية وهي الأغنية، فلا شك أن بداخل وجدان كل عربي
ثمة ترنيمة من مقاطعها، يغنيها من حين لآخر، دون أن يدري سببا لهذا المقطع دون غيره،
ولماذا يردده الآن بذات؟! هذه الظاهرة وإن كانت فردية فهي تتعدي المجموع الكلي للشعوب
التي يمكنها في لحظة ما إعادة تدوير أغنية محددة من أغاني الست وترديدها في حماسة انفعالية
في وقت معين. ويعبر هذا عن المشاركة الإنسانية الأوسع في تناول الفكرة الوطنية أو الربانية
أو العشقية. فيجتمع ويتوحد الملايين على قيمة جمالية تهب اللحظة الراهنة قُبلة الحياة
لصمود هذا الإنسان أو الشعب في تحدي الواقع بما تطرحه الست من بهجة فكرية تتماشي مع
واقع الناس .

شاهد أيضاً

الرئيس الأكثر جدلاً في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية من هو وما هي ابرز وعوده الانتخابية

ولد ترامب في مدينة نيويورك و هو حاصل على درجة البكالوريوس في الإقتصاد من جامعة …

بعد “أوميت أوزداغ” النظام السوري يمنع دخول أعضاء من حزب النصر

منع النظام السوري مجدداً دخول أعضاء من حزب النصر التركي من الدخول لسوريا بعد أيام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *