دمشق- طه علي الأمين
تحاول الأسر في دمشق الوصول إلى بر الأمان الاقتصادي وتجاوز الأزمات المتسارعة مع واقع حياة معقد, وأعباء معيشة خانقة، وأسعار لا ترحم، ولا تعلم سوى السير نحو سلم الصعود، يأتي هذا الواقع ضمن أزمة وحرب اقتصادية ضربت أركان الأسرة، يأتي هذا الواقع مع هبوب وسيطرة ثقافة استهلاكية، تحكمها التكنولوجيا وأساليبها المعقدة، من هنا تبقى العلاقة المالية الجدلية الأسرية من هو ربان مصاريف المنزل، والأقدر على ترشيد مداخيله مع مخارجه؟! ومن هذا المنطلق تحاول “صدى الشام” عبر رصدها التالي التعرف على تجارب بعض الأسر، وقصصهم من تجاربهم المنزلية في إدارة شؤونهم المالية، محاولة الإجابة عن التساؤل المثير للجدل: من الأقدر على إدارة المنزل اقتصادياً..المرأة أو المرأة؟!
واقع المعاناة
ضمن ما تعانيه سورية من حرب ضربت أركان الأسرة الاقتصادية، يتزايد دور المرأة في قيادة دفة العائلة الاقتصادية، وفق الموارد المتاحة، من هذا الواقع تقود “الموظفة” “هيام حموي” وزارة المالية ضمن أسرتها، بعد أن تعلمت أبجديتها الأولى من والدها، وعليه تقول: “احترفت وتفننت في قيادة مصروف العائلة، منذ نعومة أظفاري، وانعكس ذلك علي حين تزوجت فأصبحت أتقن إدارة مصروف المنزل، ليرتاح زوجي من تنظيم المصروف، تاركاً لي قيادة دفة الأسرة الاقتصادية، وخاصة تفاصيل المتطلبات والاحتياجات اليومية للأسرة”، لكنها توضح أنه مع السلع المعمرة والمكلفة كشراء سيارة أو براد أو غسالة يصبح زوجيها المسؤول الأول، وتصبح هي مستشارة، بالمقابل تلخص “حموي” تجربتها في قدرتها العالية على التحمل والصبر، وتوظيف إمكاناتها الاقتصادية وفق أولويات الاستهلاك، مع زيادة عالية في الأسعار وصلت ل 500% في بعض السلع الغذائية، بالمقابل فإن شعار “أنت فصل ونحنا نلبس” ترفعه “علا” لترتاح من عناء تنظيم مصروف العائلة، وهذا بعد أن تخلت عن هذه المهمة بعد الارتفاع الكبير للأسعار وعدم قدرتها تنظيم مصروف المنزل اليومي، تاركة ذلك لزوجها، القادر على تنظيم المصروف، عن طريق تفكيره الخلاق والاقتصادي، وميزته على الادخار، ما يجنب العائلة أي ديون في حال استلام “علا” مصاريف المنزل.
ترشيد يمتد للأولاد
“إن تطور أساليب الحياة المعاصرة، ومنها عمل المرأة الذي أصبح واقعاً لا مفر منه, فرض تبدلاً جديداً في فلسفة التشارك بين الرجل والمرأة، فكان التشارك ضرورة لا بد منها, لتتكامل جميع أركان جسد الأسرة” هذا ما قاله “علي خالد” “موظف” مضيفاً: “إدارة شؤون المنزل تتم بالتشارك مع زوجتي الموظفة، من هنا يؤكد “خالد” أن غالبية المجتمعات يرتبط مستواها الاقتصادي والاجتماعي بمستوى وعي أسرتها، وسبلها في ترشيد الإنفاق، ما يجعل التشارك في التخطيط الاقتصادي والإدارة مطلب أساسي للعائلة، وهذا لا يقتصر على الرجل أو المرأة بل يمتد أيضاً لتنشئة الأولاد، الذين عليهم التعلم مبكراً كيف يتحملون كامل المسؤولية، عبر تخصيصهم بمصروف محدد, لتعليمهم تحقيق التوازن بين الحاجة والرغبة”، وعلى هذا ترجم “خليل” تجربته في الادخار بإنشاء صندوق مشترك للأسرة، يدخر فيه وعائلته، ليستطيع من خلاله تفادي غدرات الأيام، بالمقابل تلخص “فاديا عمر/ أمينة مكتبة”، تجربتها الاقتصادية المنزلية بالقول: “أول زواجي كانت الإدارة بيدي، ورغم الهم الثقيل وفقت الحمد لله بإدارة النفقات حسب سلم الأولويات، لكن منذ أن هبت الحرب في سورية، استلم زوجي الإدارة بعد إصراره تولي شؤون المنزل المالية، والنتيجة بحر من الديون, مؤكدةً أن زوجها دفع ضريبة عدم قناعته أن المرأة هي الأقدر على تولي وزارة اقتصاد المنزل.
قوامون على النساء!
“الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم”، بهذا الكلام من القرآن الكريم يستشهد “د.محمد/ متخصص اقتصاد إسلامي” ليقول: الرجل مسؤول الإنفاق حسب الشريعة الإسلامية، دون أن يعني هذا التدخل في تفصيلات وجزئيات دخل الأسرة، ولهذا يرى أن بعمل المرأة خارج المنزل، تبقى مستقلة مادياً وهذا لا يلزمها من وجهة نظر الدين الإنفاق على أسرتها، مؤكداً عدم إغفال أن الرجل يحكمه عقله، في حين تحكم المرأة عاطفتها، لتكون أكثر تأثراً بالمحيط ونفقاته، ما يؤثر على إدارة مصاريف البيت وتوجيه مداخراته، وفي الخلاصة يقول الباحث الإسلامي: “في جميع نواحي العلاقة بين الرجل والمرأة, توكل مسؤولية الإنفاق للرجل، وتحمل مسؤولية الإنفاق للمرأة، دون إغفال جميع العوامل: (العمر, البيئة، مستوى التعليم, عمل المرأة, العاطفة والعقل), في حين ترى “سعاد” “موظفة” أن المرأة الأصغر سناً هدفها المباهاة وشراء الكماليات، بينما الأكبر تزداد قدرتها على تحمل المسؤولية، وتنظيم مصروف المنزل، كما أن للبيئة لها دورها أسلوب الإدارة الاقتصادية، فالفقر محرض للادخار أكثر من الغنى و(الإنسان ابن بيئته).
صخور الواقع
تميز “رنا عباس”, بين طبيعة الإنفاق في السابق ومحدوديتها اليوم, فغالباً ما كانت تتعلق, بالمأكل أو المشرب مع بعض الثوابت الضرورية، في حين تتطلب مغريات الحياة الاستهلاكية الجديدة واختلاف رسم الأولويات، إدارة شؤون المال الأسري بشكل أوعى لتأمين احتياجات العائلة، وعليه تضيف: “في ظل ظروف الحياة الصعبة والحرب الدائرة، يجب على الزوجة العمل, هذا مطلب للرجل، الذي يشقى مع وظيفتين، ليؤمن دخل يعيله، وعليه تضطر نساء اليوم لخلع عباءة حب التسوق والإنفاق والتقليد، لتلعب دوراً رئيسياً في ملعب الأسرة وتوزيع ما يناسب مستحقات وفواتير، وعليه تنصح “رنا” كل امرأة ورجل التخطيط السليم لإدارة سفينة الأسرة، ووجوب الادخار اليومي أو الشهري الثابت، مؤكدة أنه في الوقت الحالي تختلف أولويات الإنفاق دائماً حسب عوامل الزمان والمكان والظروف، والمستوى التعليمي، والآن في واقع الحرب يبقى “التقشف” عنصر رئيسي لغالب الأسر، وشعار يرفع في ظل ظروفهم الصعبة،مع زيادة حدة المناوشة والصراع حول طاولة الأسرة “أنا المسؤول .. ــــــة”.
حب التجربة يحرم الإدارة
ترى “م.سلوى” أن دخول المرأة سوق العمل ضاعف قدرتها على ترشيد موارد الأسرة المالية، وهو ما ميزها عن نظيرتها غير العاملة، وغالبا تتفوق على المرأة غير العاملة في تنظيم موارد العائلة، السبب في ذلك يعود لإمكانياتها على الاتصال الخارجي الاجتماعي، والتعرف على أساليب عصرية لإدارة المصروف المنزلي، وتستشهد “م.سلوى” بإحصائيات ودراسات متعددة تثبت أن المرأة العاملة أو الموظفة، نتيجة واقع عملها لا تتكلف بتحضير أصناف الطعام، بينما غير العاملة، تسعى لتحضير أصناف متعددة، في حين يرى الاقتصادي “د.علي خضور” أن نظرة المجتمع الشرقي للرجل أنه مسؤول الإنفاق الأول، بدلها تسارع تطور العصر والحياة الجديدة أبعدته عن التمسك بهذه العقلية، ومطالبة شريكة حياته ترك عملها مجرد شكواها من عبء الوظيفة على كاهل مسؤولية إدارة بيتها.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث