الرئيسية / رأي / فلتعودوا أيها السوريون…فالبلاد لكم

فلتعودوا أيها السوريون…فالبلاد لكم

عمّار الأحمد

تتفرغ سورية تباعاً، ولن نناقش هنا قضية التفريغ
المذهبي، وصحتها من خطئها ومن يقوم بها، ولماذا يقوم بها، وما نتائجها كذلك.
النظام بهمجيته يدفعهم نحو اللجوء، والمعارضة، ممثلة بالمجلس الوطني وتحديداً الإخوان
المسلمين، من قبل شرّعت الأمر، حيث بنت رؤيتها العبقرية بأن اللجوء سيدفع أمريكا
وحلفها لفرض حظر جوي أو حماية دولية أو تدخل عسكري ضد النظام وستكون العودة سريعة.

هذا الميل تبيّن لاحقاً أنه غباء بلا حدود؛ غباء لأن
المعارضة وثقت بأمريكا. الحقيقة أنها لا تفهم السياسة إلا كأدوات سياسية تحركها
الدول الخارجية، فهي ترى نفسها مجرد مجموعات تابعة للخارج وتريد دعمه لها، ولن
تتوانى عن تأمين كل الخدمات له (العقود، الصفقات المستقبلية لإعادة الإعمار،
وهكذا). هذه المعارضة كانت السبب الثاني في إخراج الناس إلى دول الجوار وإلى
العالم.

في الوقت الذي كان يتحول السوريون فيه إلى مهجرين
ولاجئين، كانت تدخل المجموعات الجهادية؛ تدخل بمعرفة النظام وأمريكا ودول الخليج
وكل الدول المحيطة بسورية! وبتمويل ودعم مالي بلا حدود. قويت التنظيمات الأصولية
وشكلت على الفور هيئاتها الشرعية كمدخل لتكريس سلطتها على الناس باسم الشرع والله،
وقد شكلت كافة الجهاديات هيئاتها الشرعية، وغالى داعش فراح يتوهم بأنه يبنى خلافة
إسلامية، والنصرة تسير نحو الإمارة، والأمر عينه يفعله زهران علوش، فهو في الغوطة
يسمى بحافظ أسد! وكلٌّ له هيئته الشرعية وقضاته، وجميعهم يريدون محاسبة الناس
وهديهم إلى ما يعتقدون أنّه الدين الصحيح. نسبة الجهاديين من الخارج ليست بقليلة، وعدد
القضاة الشرعيين من غير السوريين كبير جداً وكذلك القادة العسكريين، مما يؤكد فكرة
أن الجهادية ليست نتاج البيئة المحلية، ولا حاضنة اجتماعية كذلك، ولتحقيق ذلك لجؤوا
إلى الضغط على الأهالي للزواج منهم، ولكن هذا الأسلوب فشل بالعموم، وبقيت الجهادية
بكل تنويعاتها، وبأغلبيتها ظاهرة خارجية.

المهم، مع
دخول الجهادية واجهها الناس أولاً ولاحقاً وحينما فشلوا في ذلك تعزز ميل الناس
للهروب، فهؤلاء لا يختلفون عن النظام بشيء، فهو مستبد باسم الدولة وهم مستبدون
باسم الدين.

اللجوء كان خياراً فاشلاً بالكامل، فلم تستفد
المعارضة من مصير الفلسطينيين ولا اللبنانيين ولا العراقيين ولا سواهم؛ حيث أفرغت
البلاد وأصبحت عودتهم مستحيلة، وتعززت الصراعات الطائفية. نعم اللجوء له سبب
موضوعي، ولكن الدفع به من أجل تغيير النظام كان خطأ قاتلاً، وسهّل للجهادية التمدد.
الآن الجهادية تعزز مواقعها في كافة المدن السورية، ليبدو الوضع السوري قضية
إرهاب، وصراعاً طائفياً، وبالنسبة للاجئين تمارس ضدهم في دول اللجوء كل أنواع
الضغوط، فهم يموتون في البحار، ويفتقد غالبيتهم للعمل ويعيشون في خيم متهالكة، وقد
يضطرون لفعل أي شيء. الائتلاف الوطني وبقية القوى الممولة تسرق باسمهم، أو توظف
أعداداً صغيرة ووفق محسوبيات دقيقة، وأغلب ما يعزز روح الفساد والشللية تلك
الإخوان المسلمين ومن يتحالف معهم.

عودة السوريين إلى مدنهم وبلداتهم هي الأساس؛
فالمهجرون في الداخل والخارج يزيد عددهم عن عشرة ملايين إنسان، وهناك آلاف
الناشطين، ومئات المثقفين والسياسيين. العودة ضرورية، ففكرة الخروج للإتيان بتدخل
عسكري أثبتت فشلها، فقد أتى التدخل ولكن لمساعدة النظام وإعادة تأهيله عبر محاربة
داعش. والآن وبعد حادثة شارلي إيبدو في فرنسا تتجه الأنظار نحو حملة دولية جديدة
ضد الإرهاب، أي ستكون إيران وإسرائيل ضمنها، وبالتالي سيعاد تأهيل النظام كذلك.

السؤال القائل “وما العمل تجاه عودتهم…
وكيف سيعودون وما زال النظام والجهادية يتقاتلون على أنقاض مدنهم؟!” لا شك هو
سؤال دقيق، نقول إن العودة الجماعية وليست الفردية ستشكل ضغطاً على كافة الأطراف
المتحاربة، وستجبر الجميع على إعادة الحسابات، وستؤمن للمدنيين الذين رفضوا
المغادرة القوة والصلابة في مواجهة الطرفين المتحاربين، وربما ستشجع على تجديد
الثورة كذلك.

هذا الموضوع يتطلب جدية بالغة، فدول اللجوء غصت
باللاجئين وبمشكلاتهم، وسورية تتعرض لأسوأ عملية تفريغ يمكن أن يشهدها أي بلد في
المعمورة، ويتعرض من بقي إلى أسوأ معاملة من الطرفين. وبالتالي وما دام الظلم واقعاً
وبدرجات مخففة في الخارج، ومن بقي يعاني ويأمل المؤازرة، فإن تلك العودة ستشكل
مرحلة جديدة في تاريخ سورية.

ما يمنع ذلك، أن القوى السياسية لا تهتم بشأن
الناس ومشكلاتهم بجدية، وتركز جل اهتمامها على العلاقة مع دول العالم الخارجية،
وتنتظر ببلاهة غبية تدخلاً خارجياً رغم حدوث التدخل! وبذلك ينتصر النظام في إطالة
عمره، وفي تدمير البلاد وتركها للجهاديين؛ فهو يريد فقط إعادة تأهيله ولتخرب
البلاد بأكملها، ولتتكرس المشكلات أمام السوريين.

أخيراً الثورة التي يعتقد كثيرون أنها انتهت، هي
باقية وتتمدد. ولكن ما يمنع ذلك، هو شدة العنف الجهادي والعنف السلطوي. ولأن
الثورة لا زالت، وإن تراجعت قليلاً، فإن خيار الحل السياسي ورحيل النظام لم يوضع
على طاولة التفاوض بين الأمريكان والروس ودول المنطقة وبين النظام والمعارضة؛
العودة المأمولة تساعد في الحل السياسي.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *