حلب- مصطفى محمد
“وأين كانوا سابقاً، الآن استفاقوا، بعد أن أفرغت معامل وورش المدينة، وبعد أن نهبت أغلب البيوت، ولم يتبقى فيها إلا الجدران، التي لم يتركوها كرماً منهم، ولكنهم تركوها لأنها غير قابلة للتحريك”؟
لم يجد محمود (40 عاماً) غير هذا السؤال رداً على القرار الأخير الذي أصدرته المحكمة الشرعية بحلب مساء يوم الأربعاء الفائت، والذي منعت بموجبه إخراج الآلات والمعدات الصناعية المستعملة خارج حدود المدينة.
و في استهتار واضح بالقرار يقول محمود متسائلاً أيضاً، وهو صاحب منزل تعرض للنهب الكامل في نهاية العام 2013، في حي “بستان الباشا” الحلبي، “مافائدة هذا القرار لي الآن، وهل سوف يقومون بإعادة ممتلكاتي التي أضعت العمر كله على جمعها، و أغراضي الشخصية التي لاتقدر بثمن، هل سوف يعيدونها لي”.
ويتابع في حديثه لـ”صدى الشام”، “كان الأولى بهم إصدار هذه القرارات منذ مدة بعيدة، مع بداية الثورة، ولكن وصلوا متأخرين، وفاتهم الكثير، ومع هذا أرجوا أن يكون هذا القرار بداية لتصحيح المسار، هو قرار على الاتجاه الصحيح، شرط أن يطبق على الجميع”.
قطع الطريق على اللصوص
وبحسب القرار الصادر عن المحكمة الشرعية في المدينة، والذي وصل لـ “صدى الشام” صورة عنه، فقد طال قرار المنع الجديد، كلاً من الآلات والمعدات المستعملة، وأثاث المنازل، فضلاً عن المواد الغذائية التحضيرية ( سكر، رز، طحين، ونحوها)، والمولدات الكهربائية، إلى خارج حدود المدينة، تحت طائلة الغرامية المالية، والسجن.
واستثنى القرار الذي وصف بأنه حفاظاً على مسببات مقومات الحياة، الألبسة المستعملة، و المواد المصنعة في داخل المدينة، والمنتجة بمنشآت مرخصة لدى قوات المعارضة.
وعن نوايا المحكمة الشرعية من هذا القرار، قال رئيس المحكمة الشرعية، الشيخ عبد القادر فلاس، “إن المحكمة ومن خلال هذا القرار تحاول تحقيق الأمن الشرط اللازم للإنتاج، والمحافظة على بقايا أدوات الانتاج التي مازالت في داخل المدينة”.
وأضاف في شريط فيديو بث عبر موقع “اليوتيوب”، “لقد قامت المحكمة عبر القرار الأخير بقطع الطريق على اللصوص، الذين يبيعون مسروقاتهم خارج المدينة، في الأسواق المخصصة لبيع هذه المواد، ونسعى الآن وبالتشاور مع أهل العلم لإقامة حد السرقة على من تقبض عليه المحكمة بالجرم المشهود”.
دمار العاصمة الاقتصادية
“كانت ثورتنا على النظام فقط، ويبدو أن كثر هم من خلطوا بين النظام، والبلد، والدليل على ذلك معمل الاسمنت في المسلمية، شمالي المدينة، نهبوا خط إنتاجه بحجة أنهم معارضون للنظام، وبيعت محتوياته التي لاتقدر بثمن، ببضع مئات من آلاف الليرات السورية”، هكذا بدأ عبدالله المقاتل في الجيش الحر حديثه لـ”صدى الشام”.
ويضيف متسائلاً، بلهجة لا تخلو من المرارة، “وهل تعود ملكية هذا المعمل لبشار الأسد؟،وغيرها من مئات المعامل التي تم نهبها”.
ومع دخول الصراع إلى المدينة، كانت الصناعة والمنشآت التي تشتهر بها المدينة في مواجهة العاصفة، وجراء تلك المواجهة المحسومة النتائج مسبقاُ، تكبدت منشآت المدينة خسائر مادية فاقت كل التقديرات، إلا أن المتفق عليه والبادي للعلن هو تحول المدينة، من عاصمة اقتصادية للبلاد، إلى مدينة مدمرة، لا يسكنها إلا الموت.
وكان الفلتان الأمني الذي رافق دخول قوات المعارضة إلى المدينة، العامل الهام الذي ساهم في مفاقمة الأزمة، وذلك بعد انتشار العصابات التي استعارت من الثوار اسمهم فقط، وبدأت تعيث في منشآت المدينة، وبيوتاتها فساداً، بل وأبعد من ذلك فقد بدأت بعض الكتائب المتسترة بالثورة، ببيع شوارع ومباني لأكملها لهؤلاء العصابات، كما جرى في منطقة بستان الباشا تحديداً.
وجاء القصف من قبل آلة النظام، ليزيد الطين بلة، وليفتح أمام هؤلاء اللصوص الباب على مصراعيه، تزامناً مع موجة نزوح كبيرة من الأهالي إلى مناطق قد تكون أكثر أمناً.
وفي هذا السياق يؤكد الاقتصادي “منذر محمد”، على أن، “صناعة وتجارة المدينة، أصيبت بنكسة قاتلة، وقد تحتاج إلى عقود طويلة قادمة حتى تستعيد عافيتها”.
ويوضح في حديثه لـ”صدى الشام”، مايبرر طول مدة التعافي الاقتصادي الذي نأمل أن يتحقق، هو هجرة رؤوس الأموال عن المدينة، وخصوصاً أن أغلب أصحاب الأموال وجدوا بيئة استثمارية جيدة وفرتها لهم بلدان مجاورة إقليمية، أو غير مجاورة.
وحمل محمد طرفي النزاع لما آلت إليه أحوال المدينة، مشيراً إلى أن قوات المعارضة تتحمل المسؤولية الأكبر، جراء إغفالها مبدأ المحاسبة، وتسويف العقاب، الذي أدى في بعض الأحيان إلى الفلتان الأمني.
ويرى محمد أن قرار المحكمة الأخير هو خطوة صحيحة، تستحق الوقوف عندها، وتشجيعها.
هم تخلوا عنها..
“وهل كان المطلوب منا أن نترك جبهات العدو، ونقوم بحراسة المصانع الذي تركها أصحابها”!. هذا ما قاله قائد كتيبة عسكرية فضل عدم الكشف عن اسمه.
ويتابع موضحاً، “أنا لا أبرر كل ما حصل، لكن هم يتحملون المسؤولية أيضاً، فمع بداية النزوح من المدينة، كنا نطالب الأهالي بالبقاء وحراسة ممتلكاتهم، إلا أن الخوف على الحياة غلب الخوف على الممتلكات، وهذا شيء طبيعي في الإنسان، ولهذا لا تطلب من أحد حماية ممتلكاتك وأنت تركتها تحت رحمة الشارع، وقطاع الطرق، واللصوص”.
إلا أن ما يستدعي تحميل المسؤولية لقوات المعارضة، هو عدم تطبيقها مبدأ المحاسبة، وهذا كان واجبهم، على اعتبار أنهم أصبحوا بديلاً للنظام، وهذا بحسب نفس القائد أيضاً.
المدينة الصناعية
تبلغ مساحة هذه المدينة 4412 هكتارا، وتعتبر الأكبر مساحة وإيراداً أيضاً على المستوى الصناعي السوري ككل، وقد وصل حجم عائداتها عام 2011 على سبيل المثال إلى 1138 مليار ليرة سوريا، وذلك وفق معلومات نشرتها إدارة المدينة حينها.
خسرت قوات المعارضة هذه المدينة، قبل عدة شهور من الآن، وتفيد تقديرات بأن حجم الدمار في المدينة التي يسعى النظام إلى إعادة تشغيلها، قد وصل إلى 25% من البنى التحتية فيها.
هجرة القوى العاملة
مع انحسار فرص العمل في المدينة، وإغلاق أصحاب المنشآت والمعامل لممتلكاتهم، لم يبقى أمام اليد العاملة إلا البحث عن فرص عمل جديدة، حتى لو كانت خارج حدود المدينة.
محمود حميدو (25عاماً)، شاب خاض تجربة العمل في أغلب المدن التركية، يقول بحسرة “لا مقارنة بين العمل هناك في حلب، وبين العمل هنا، فهناك كنا نعمل فوق أرضنا، ونتكلم بلغتنا.
ويضيف في كثير من الأحيان أستيقظ باكراً، وأشعر أني في مدينتي حلب، ولي أمل أن أعود إلى هناك، وإلى منطقتي “الهلك التحتاني”، وإلى ورشة الأحذية التي كنت أعمل بها هناك”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث