الرئيسية / رأي / الكلب والقطار

الكلب والقطار

عبدالقادر عبد اللي

منذ عام 2003 توقفت تقريباً عملياتحزب وجبهة التحرر الشعبيالمسلحة في تركيا، وقد كانت هذه المنظمة التي تدعي الماركسية اللينينية لها تواجد في دمشق، وكان هذا التواجد يخضع لمبدأ ما يسمى وفق المصطلحات السياسية المخابراتية السورية: غَضّ الطرف.

في عام 2004، ولإرضاء الشقيق التركي بحسب مسميات تلك الأيام، طورد أعضاء هذه المنظمة التي كان قد هرب قادتها متوقعين ما سيحل بهم نتيجة التقارب السوري التركي، واعتقل بعض الصغار المؤيدين لها. وبعد هذه المرحلة بقيت مجرد موقع إلكتروني على الشبكة العنكبوتية، وما إن كادت تُنسى حتى ظهرت من جديد مع اندلاع الاحتجاجات الشعبية في سورية.

في الشهر الثاني من عام 2013 هاجم انتحاري المدخل القنصلي للسفارة الأمريكية في أنقرة، وقُتل الحارس التركي والمنتحر، وأصيب صحفي كان هناك في دور الحصول على الفيزة

تبنتجبهة وحزب التحرر الشعبي الثوريالعملية، واعتبرتها رداً على الاعتداء التركيالأمريكي على النظام السوري المناهض للإمبريالية. على ذمة المحققين والقضاء التركي فقد تبين أن المنتحر كان حتى فترة قريبة مقيماً في دمشق.

في اليوم الثاني من هذا العام هاجم أحد أعضاء هذه المنظمة حرس قصر ضولمة بهتشة، وهو القصر المتحف الذي كان يقيم فيه آخر السلاطين العثمانيين حتى بعد تجريده من لقبه السلطاني والإبقاء عليه مجرد خليفة، وسَكَنَه مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك وتوفي في إحدى غرفه، وفيه مكتب لرئيس الوزراء اليوم. ألقى المهاجم قنبلة لم تنفجر، وأُلقي القبض عليه متلبساً، وقالتجبهة التحرر الشعبي الثوريفي بيانها إن العملية رداً على مقتل الطفلبركن ألوانالذي سقط أثناء احتجاجات تقسيم (غزي) قبل سنة.

قبل أيام هاجمت فتاة انتحارية مركزاً للشرطة السياحية في منطقة السلطان أحمد الإسطنبولية، وتبنت المنظمة نفسها العملية ليتبين فيما بعد أن المنفذة روسية، وعلى الرغم من تصديق وكالات الأنباء لخبر تبني العملية ونقله، فقد استبعد فيما بعد أن تكونمنظمة حزب وجبهة التحرر الشعبي الثوريهي التي نفذتها.

توقف هذه المنظمة عن العمل العسكري لأكثر من ثماني سنوات، وعودتها مع بدء الأحداث الدموية التي بدأت تجتاح سورية وحده لا يفرض الربط بين الحالتين. ولكن هناك أمور أخرى تدفع نحو البحث عن هذه العلاقة.

لابد للمرء أن يربط بين ما يجري في سورية وخاصة العملية التي نفذت في مدخل السفارة الأمريكية وهذه المنظمة التي تؤمن حقيقة بأن ديكتاتوريات البرجوازية الصغيرة أفضل من النظام الرأسمالي البرلماني. ولكن الغريب أن هذه المنظمة تعتبر نفسها امتداداً لمنظمة لليسار الثوري، وقد اتخذت هذه المنظمة موقفاً استُغرب بشدة عام 1979 عندما حدث تبدل في السلطة الإيرانية فيما أسمته الأدبيات السياسية العالمية الثورة الإسلامية، واعتبرتوظهر أنها على حقأن الخميني هو الوجه الآخر للشاه. واليوم بيانات هذه المنظمة وأخبارها من خلال موقعها الإلكتروني تدافع عن النظام السوري أكثر من الشبيحة أنفسهم. وهناك بعض عناصرها يخدم النظام داخل دمشق ضمن الشبيحة في الحشد العالمي الذي حشدته إيران من أجل منع سقوط نظامها في سورية.

من الممكن تفهم مأزق منظمات شيوعية ستالينية لم تعد تجد في العالم معيلاً لها، واستفادتها من البيدر السوري، وفتح المُحسن الإيراني الكيس وبدئه بالرشفقد رش على صحفيي العالم وأسس تلفزيونات وجنّد مرتزقة من كل الجنسيات وصولاً إلى استغلال جوع الأفارقة وتجنيد بعضهم، وبلغ رشّه في سبيل ذلك المليارات، فلِمَ لا تستفيد هذه المنظمات، وتلحس أصبعها؟ فالمثل المشترك يقول: “عدو عدوك صديقك، وهذه المنظمة تعادي النظام التركي، ولا حرج من حصولها على دعم أعداء النظام.

من جهة أخرى يبدو أن النظام عمل وفق المثل القائل: “اللي مالو عتيق مالو جديد“. وكما يفعل التاجر المفلس، فتش النظام دفاتره العتيقة، ووجد بعض المنظمات كحزب العمال الكردستاني وهذه المنظمة.

ولكن السؤال المستغرب: هل تعتقد إيران ووكلاؤها في دمشق حقاً أنهم يمكن أن تقلب الأوضاع في تركيا، وتجعلها تغير مواقفها؟ وهل قتل شرطي يفرض تغيير موقف؟

يروي عزيز نسين أن الكلب عندما يرى قطاراً ينبح على القطار ويركض باتجاهه، ويزيد من النباح مع اقترابه، ويبقى ينبح حتى يبتعد، وبعد أن يبتعد القطار ينبح الكلب نباح طويلاً هو علامة السرور والفرح، ويجلس مشرئباً منتشياً من تحقيق النصر المبين على القطار الذي ولى هارباً.

لم ننس أن إسرائيل هزمت شر هزيمة في الخامس من حزيران عام 1967، لأن هدفها المفترض كان إسقاط الأنظمة العربية التقدمية، ولكنها فشلت فشلاً ذريعاً، ويومئذ نبح الكلب نباحاً طويلاً علامة السرور والفرح

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *