دمشق– ريان محمد
تحوّلت مؤخراً مسألة خروج الشباب نهاراً في دمشق، إلى مغامرة تستحق التحضير مسبقاً ومطوّلاً، فلا أحد منهم يعلم إن كان حظه العاثر سيقوده إلى أحد خطوط النار المحيطة بالعاصمة، ليشارك بحفر خندق مثلاً، أو يبني تحصيناً هنا أو هناك، بعد اعتقاله أو خطفه من قبل جهات أمنية وميليشيات موالية للنظام.
“اعتقلوا أكثر من 400 شاب، تتراوح أعمارهم بين العشرين والأربعين عاماً، من منطقة الشيخ محي الدين بدمشق، لمدة أربعه أيام“، تقول ريم، من سكّان
الحي ذاته، لـ “صدى الشام“، “مئات من عناصر قوات النظام اقتحموا الحي، فتشوا المنازل، واعتقلوا عشرات الشبّان، لم نعلم
حينها هوية الجهة المسؤولة عن الاعتقال، ولا المكان الذي اقتادوا الشبّان إليه“.
وتتابع “بعد أربعة أيام، لم تخلُ من الخوف على مصير الشبّان والابتزاز، أعادوهم إلى الحي بحالة يرثى لها، متسخين وألبسة بعضهم ممزقة، الإرهاق والإعياء ظاهر عليهم بشكل كبير. بعضهم أسرّ لذويه إنه مع بقية المعتقلين، كانوا يحفرون خندقاً لا يعلمون مكانه بالتحديد، لكن هناك من قال لهم إنّه في حي جوبر بدمشق“.
من جانبه، قال مازن، من منطقة دف الشوك جنوبي دمشق، لـ “صدى الشام“: “أصبح الخروج صباحاً من المنزل إلى العمل مسألة خطرة، ففي أغلب الأيام نصادف عناصر من ميليشيا “جيش الدفاع الوطني” أو أحد الأفرع الأمنية، وهم يتصيدون شباب الحي المتجهين إلى عملهم أو مدارسهم وجامعاتهم، للعمل سخرة، أي بالإجبار ودون أي أجر، على خطوط النار الأولى ليضعوا تحصينات ومتاريس لمقاتلي القوات النظامية“.
وأضاف “حدثت معي شخصياً، ففي أحد الأيام
أوقفنا حاجز لـ ”الدفاع الوطني” في حي التضامن جنوب دمشق، واعتقلوني مع عدد من الشباب، أخذوا هوياتنا الشخصية
وأجهزتنا الخلوية، لنجد أنفسنا بعد
فترة قصيرة، ننظف مقراتهم، ونعبئ الرمال في المتاريس. يوم كامل من الإهانة، فضلاً عن احتمالات الموت التي كانت تمر في رأسي، إلى أن أفرجوا عنّا ليلاً، وكان أجرنا عبارة عن صفعة لن أنساها طالما حييت“.
جيهان، سيدة أربعينية تسكن في دمشق
بيّنت في حديث لها مع “صدى الشام“، أنّ “مشاهد اقتياد الشباب للعمل سخرة لدى القوات النظامية ومن يقاتل معها، تزخر بكل ما يمكن للإنسان تخيله من ذل وقهر“، وتضيف “شاب في العشرينات من عمره،
اعتُقل على أحد الحواجز،وأخذ يترجى العناصر أن يرسلوا
الدواء الذي في حوزته لأمّه المريضة، وإلّا ستكون حياتها في خطر، لكنهم في المقابل
كانوا يهزؤون منه ومن مرض والدته، ويصفعونه أيضاً“.
وعلى
الجانب الآخر، قال ماهر، عنصر من “الدفاع الوطني”، لـ “صدى الشام“، “نحن ندافع عن هؤلاء المدنيين فلن يخسروا شيئاً في حال ساعدونا قليلاً“، مضيفاً “نحن نعامل الناس بشكل جيد، وبطريقة أفضل مما يعاملون به من قبل عناصر الأفرع الأمنية، الذين يضربون شباب السخرة ويوجهون لهم الشتائم. راتبي 17 ألف ليرة، فهل يجب أن أقاتل أم أعبئ
الرمال؟“.
بدوره، قال سمير، ناشط إعلامي من دمشق، لـ “صدى الشام“، “إن ظاهرة تسخير شباب دمشق للعمل لدى القوات النظامية والميليشيات المقاتلة إلى جانبها، بدأت تزداد يوماً تلو الآخر، حتى أصبحت تقتاد مئات الشبان لأيام تطول أو تقصر، ينفذون خلالها أعمالاً تخدم عناصر النظام، في ظل ظروف عمل غير إنسانية، فبالإضافة إلى الضرب والإهانة، فهم لا يحصلون على طعام إذا كانت مدة عملهم يوم واحد، وعلى وجبة واحدة فيما لو طالت مدة السخرة“.
ووفقا
للناشط فإنّ “هناك تململ كبير من الناس لكنهم لا يجرؤون على التعبير، إذ أنّ النظام بات يتعامل مع المقيمين في مناطق سيطرته على أنهم ملزمين في الدفاع عنه“.
وكانت “صدى الشام“، قد رصدت قيام مجموعات من العناصر يرتدون الزي العسكري من القوات النظامية و“حزب الله” اللبناني، بتوقيف عشرات الشبان بالقرب من مقام السيدة “رقية” و“الجامع الأموي” في دمشق القديمة، ليتم ترحيلهم فيما بعد إلى جهة مجهولة.
ويشار إلى أن النظام شنّ مؤخراً، حملات اعتقال في مختلف
أحياء دمشق، في حين تتردد أنباء عن أن هذه الحملات تستهدف الفارين والمتخلفين عن الخدمة العسكرية الإلزامية والاحتياطية، حيث تقدّر أعدادهم بعشرات الآلاف، منهم من التحق بالقتال إلى جانب فصائل المعارضة المسلحة، ومنهم من هرب إلى خارج البلاد أو توارى عن الأنظار.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث