دمشق – هاجر الصوفي
“غاز…غاز”، جملة افتقد سماعها المارّة في شوارع دمشق طويلاً، جرات الغاز مصطفة دونما تدافع في اليوم الثاني من العاصفة الثلجية التي اجتاحت المدينة، والمشترون يدعون معارفهم للخروج رغم البرد الشديد والحصول على “جرة ” لا يعلمون متى ستتوافر.
قضت دمشق أسبوعها الأخير في عاصفة اجتاحت سورية والبلدان المجاورة وغطت المدينة بثلوج وصلت سماكتها إلى 60 سم على ارتفاع 900 متر.
كثيرون من سكان دمشق شغلهم اسم العاصفة فاعتمدوا تسميتها “هدى” مخالفين دولاً مجاورة كلبنان التي نادتها “زينة”، لكنهم لم يبدوا استعدادات خاصة لاستقبالها فحركة الأسواق كما هي باستثناء بعض الازدحام على أفران الخبز، بينما اصطفت السيارات طويلاً بانتظار البنزين حتى في أيام احتدام العاصفة.
قبيل العاصفة بيوم نشرت صحيفة “الوطن” المحسوبة على النظام السوري، خبر انتهاء أزمة الغاز وتأمين كمية كافية منها في دمشق، لكنها لم تعرّج على توفرها في مدن أخرى خاضعة لسيطرة النظام. بينما ضجت الصفحة الرسمية لوزارة الكهرباء في حكومة النظام السوري بصور فِرق من عاملي الوزارة، قائلة إنهم “يعملون على صيانة أعطال كهربائية”، وواصفة العمال بأنهم “يعملون جنباً إلى جنب مع الجنود الذين يقاتلون على الجبهات في الظروف الجوية القاسية”.
وسيلة التدفئة بالغاز عُرفت في دمشق وما حولها خلال السنوات الست الأخيرة، لكنها بقيت محدودة الانتشار. الوسيلة الأكثر شيوعاً هي استخدام مدافئ المازوت، لكن شح هذه المادة النفطية وغلاء سعرها الذي تضاعف مرتين منذ عام 2011 جعل الكثيرين ينصرفون للتدفئة بواسطة الكهرباء رغم انقطاعها المستمر.
حسام، رب لعائلة مكونة من خمسة أفراد ويسكن في حي ركن الدين الدمشقي، قال لـ “صدى الشام” إنه “توقف عن اعتماد التدفئة بواسطة المازوت، الذي كان يشتريه من السوق السوداء لأنه لا يوزع بشكل عادل وكميات كافية، واستعاض عنه بالتدفئة الكهربائية بالرغم من ساعات انقطاعها الطويلة بحكم التقنين، والتي وصلت إلى 16 ساعة يومياً قبل أيام العاصفة”، مشيراً إلى أنّه وعائلته “أمضوا كافة أيام العاصفة بلا كهرباء، باستثناء بضع ساعات، من دون أن يعلموا فيما لو كان ذلك، تقنيناً أو عطلاً ناجماً عن الظروف الجوية”.
البرد قاتل
قال “المرصد السوري لحقوق الإنسان” إن يوم الأربعاء، السابع من كانون الثاني 2015 هو اليوم الأول الذي لم يتم فيه توثيق أية خسائر بشرية نتيجة القصف الجوي والعمليات العسكرية باستثناء وفاة شاب متأثراً بجراحه، بينما عنونت وكالة رويترز صوراً لها في ذات اليوم بعنوان “يوم بلا موت في سورية”، لكن صفحات الناشطين ضجت صبيحة اليوم التالي بخبر مقتل خمسة أطفال في مدن الغوطة الشرقية، ووفقاً لما أفادت به مصادر محلية لـ “صدى الشام” فإنّ أحد الأطفال قضى اختناقاً بالحطب، (وسيلة التدفئة الأكثر شيوعاً في المناطق المحاصرة من ريف دمشق)، فيما توفّى طفلان آخران فور ولادتهما.
ويعتمد أهالي الغوطة على الحطب في التدفئة، فسعر ليتر المازوت الواحد يساوي ثمن عشرين كيلو حطب، إضافة إلى وسائل أخرى كحرق البلاستيك ومخلفات الزيتون.
الأقبية باردة
ذكر تقرير نشره “المرصد السوري لحقوق الإنسان” في نهاية عام 2013 أنّه “وثق حالات من الوفاة بسبب البرد في سجن حلب المركزي”، بعدها لم ترد تقارير توثيقية أخرى.
منذ عامين تماماً وفي يوم 9 كانون الثاني 2013 المثلج أيضاً، أُطلق سراح 2126 معتقلاً ومعتقلةً من سجون النظام السوري مقابل 48 إيراني، جراء صفقة تبادل بين الأجهزة الأمنية للنظام السوري والجيش السوري الحر.
تروي كندة، إحدى المعتقلات اللواتي أطلق سراحهن عبر الصفقة، لـ “صدى الشام” بأن “الثلج كان يغطي الشوارع حين خروجهن من مركز قيادة الشرطة بشارع خالد بن الوليد في دمشق، وأن المنتظرين من أقارب أو أصدقاء المعتقلين قد أحضروا لهم ملابس شتوية، فالبعض قد أمضى سنوات وفصولاً داخل تلك الأقبية، أو خلع ثيابه فور وصوله إلى الفرع الأمني”.
وكان أحد المفرج عنهم من سجن صيدنايا قد نشر نداءً لإرسال ثياب شتوية مستعملة إلى سجن صيدنايا حيث ترتفع نسبة الوفيات بسبب البرد، حسب شهادته، وجاء نداءه في صفحة “لست مجرد رقم”، وهي حملة ينظمها مجموعة من الناشطين بقضايا سجناء الرأي والمعتقلين وتحظى بما يزيد عن 14 ألف متابع.
التقارير التوثيقية عن أوضاع المعتقلين أيام الشتاء الباردة نادرة جداً، وقد ذكرت ”آفاز”، المنظمة العالمية للحملات في قضايا حقوق الإنسان، في تقرير نشر في السنة الأولى للثورة أنّ ”معتقلي سجن حمص المركزي يعانون من البرد الشديد في مهاجعهم حيث يتناوب كل ثلاثة مساجين على غطاء شتوي واحد”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث