الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / الفقراء المحظورون… والساسة العنصريون

الفقراء المحظورون… والساسة العنصريون

رانيا مصطفى

فقراء السوريين ممنوعون من دخول لبنان. هذا ملخص القرارات الأخيرة الصادرة
عن الأمن العام اللبناني بدعم من الحكومة بشأن تنظيم دخول السوريين الأراضي
اللبنانية. والحجة أنهم يهددون الأمن اللبناني، خاصة بعد حادثة اختطاف الجنود من
قبل “جبهة النصرة”، وتنظيم “الدولة الإسلامية”، وكذلك لأنّ
لبنان لم يعد قادراً على تحمل عبء نفقات ما يفوق عن مليون ونصف لاجئ سوري، حيث
الأمم المتحدة
لم توفر لهم شيئاً من الحد الأدنى من حاجاتهم
الأساسية.

قد يرى البعض أن حجة الساسة اللبنانيين صحيحة،
وأن لبنان قدم الكثير للاجئين، حيث أن دولاً عربية أخرى منعت اللجوء إلى أراضيها
من أصله، وأنّ لبنان بلد ذو سيادة كغيره، ويحق له اتخاذ القرارات التي تحفظ أمنه.
لكن مهلاً! المسألة أعقد من أن نبسطها في رؤية أحادية، تنسى واقع لبنان، كبلد
سيادته على أرضه مريضة!، بلدُ الميليشيات التابعة لدول إقليمية، والتي باتت تتقاتل
على الأرض السورية. الحكومة اللبنانية، المنقسمة سياسياً، لم تقرن القول بالفعل
فيما يتعلق بالنأي بالنفس عما يجري في سورية؛ فحزب الله يتدخل علناً في سورية،
ويقتل ويهجّر السوريين مع النظام، ويستفزّ صراعاً طائفياً برّر دعم الأطراف
الأخرى، لبنانية وإقليمية، للنصرة وتنظيم “الدولة”، لتقوى في سورية، وتتمدد
إلى لبنان. الأمر الذي عقّد المسألة وأجّج الحرب أكثر، وبالتالي زاد النزوح.

ويرى كثرٌ أن القوى السياسية اللبنانية
المشاركة في الحكومة، والداعمة للنظام السوري
تقف وراء هذا القرار، وأن
له خلفيّة طائفية، أي أنه يستهدف السنة. لكن القرار لا يشمل موسوري السنة من
السوريين، ما ينفي أن له أساساً طائفياً وحسب. والواقع أنّ هذا التفسير للقرار سيزيد
نسبة المتطرفين السنة في لبنان. القرار بالأصل صادر عن الأمن العام، بدعم من
الحكومة التي تضم كل الأطياف السياسية اللبنانية، سواء دعمت النظام السوري أو وقفت
ضده. وكل تلك الأطياف بالأصل مشكّلة على أساس طائفي، فيه من العنصرية الكثير تجاه
بعضها كطوائف وأفراد، فكيف تجاه السوري الغريب! ولا يخلو هذا القرار الأرعن من ردة
فعل عمياء على الوصاية السورية على لبنان، والتي استمرت أعواماً، نهب فيها كبار
مسؤولي النظام كل ما تيسّر لهم من الأراضي اللبنانية. لكن ذلك كان ما فعله النظام
السوري في اللبنانيين. وفي هذا خلط بين الشعب السوري ونظامه؛ حيث النظام السوري هو
العدو ذاته الذي يقتل ويهجّر الشعب السوري.

وإذا كان أمن لبنان في خطر نتيجة توافد
السوريين إليه، فالأحرى بالمسؤولين اللبنانيين أن يعالجوا المسألة من أصلها، في
منع حزب الله من مشاركة النظام في صنع الكارثة، ومنع الأطراف الطائفية السنية من
دعم النصرة والكتائب الجهادية التي مهمتها إطالة أمد الصراع عبر مشروعها الخاص في
الدولة الإسلامية، وعبر قتال الطوائف الأخرى، بدلاً من دحر النظام من معاقله
الأساسية.

قرار الحكومة هذا هو بالضبط موجّه ضد فقراء
السوريين من النازحين. أبناءُ الطبقة الوسطى والغنية لا مانع من دخولهم الأراضي
اللبنانية، فهم سيقطنون في المناطق التجارية والسياحية، وهم يحركون الاقتصاد
الريعي، عبر الاستثمارات الصغيرة والمتوسطة في المرافق الخدمية والسياحية، وعبر
تشكيلهم قوة استهلاكية انتفع منها المستثمرون وأصحاب العقارات. والحكومة بوصفها
حكومة تمثل مصالح البرجوازية الطائفية الحاكمة في لبنان منذ زمن طويل، والتي رسّخ
حكمها نظام الطوائف بعد حرب أهلية مريرة، لتبقى هي المسيطرة على الاقتصاد اللبناني
والمستفيدة منه. لكن أي اقتصاد! اقتصاد ريعي بالمطلق، يقدم خدمات مأجورة للمواطنين
القادرين على تحمل تكاليفها، ويحرم الفقراء منها، ليزيد ثراء تلك الطبقة السياسية/الطائفية
الحاكمة، ولا يأبه لمعاناة الشعب المفقر. ويبقي شبح الاقتتال الأهلي والطائفي
قائماً أمامه، إذا ما فكّر بإزاحة هذه الطبقة المافياوية عن الحكم.

مسألة اللاجئين السوريين بالفعل باتت معقدة
وتحتاج إلى حل مؤقت، ريثما يتوقف الصراع ويتمكن المهجرون من العودة بمأمن من القتل
أو الاعتقال. واللبنانيون غير ملزمين بتقديم المواد الإغاثية والطبية بمفردهم،
ولكنهم ملزمون إنسانياً، هم وبقية الدول المحيطة، بتقديم المكان الآمن. البقية تقع
على عاتق المنظمات الإغاثية الدولية، والأمم المتحدة بالتحديد. هذا ما يجب أن يسعى
له النشطاء والسياسيون السوريون، أي الضغط على الأمم المتحدة لتعلن سورية بلداً
منكوباً، ويحتاج شعبه إلى معونات نظامية بدلاً من الهبات الممنوحة من هنا وهناك،
والتي كثيراً ما تحمل منّةً وابتزازاً سياسياً يخدم الجهات التي تقدمها.

أما القرارات الصبيانية هذه فهي ليست إلا
تعبيراً عن عنصرية البرجوازية اللبنانية الطائفية تجاه فقراء السوريين. وقد بلغت
أشدها في التحقيق الشهير والرديء الذي نشرته جريدة النهار اللبنانية، والذي حمل
الكثير من الكره تجاه التواجد السوري في لبنان عموماً، وتواجد الفقراء منهم
خصوصاً، وهو ما عبر عنه الكاتب بوصفهم بأنهم سمر البشرة، هو ربما أراد القول إنها
سمرة الشمس التي تصبغ وجوه الفقراء لا غير.

بورجوازية الطوائف اللبنانية، ممثلة بالحكومة،
تتصرف بعنصرية تجاه فقراء لبنان، فكيف بفقراء سورية. ولعلّهم يحلمون بطرد فقراء
لبنان تالياً إلى خارج الحدود، وليس فقط إلى الأرياف والأحياء البعيدة.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *