الرئيسية / رأي / هل يستأنف الناشطون حراكهم من جديد؟!

هل يستأنف الناشطون حراكهم من جديد؟!

عمار الأحمد

طغى على الإعلام العربي
والسوري تغطية القرار العنصري الذي أصدرته الحكومة اللبنانية ضد الفقراء السوريين
بحجة تنظيم وضع اللاجئين، أما الأغنياء فمرحب بهم كما قال وزير لبناني! وكذلك،
الحادثة الإجرامية التي أوقعت مجزرة بصحفيي الصحيفة الفرنسية الساخرة. وتقلص
الاهتمام بمخاطر العاصفة الثلجية التي تضرب سورية والدول المحيطة بها، وتحديداً
بما يخص اللاجئين والمحاصرين والمعتقلين والفقراء السوريين.

هذه الحادثة، ولامبالاة العالم
بكيفية مواجهتها، تبين الانحطاط الأخلاقي المريع الذي يعيشه العالم إزاء أكبر حالة
نزوح للبشر في دولة تشهد حرباً. وقد أصبحت قضية عالمية بامتياز؛ حيث الصراع الدولي
والإقليمي وحرب النظام والجهاديين ضد الشعب ومع النظام، التي تدور رحاها بأبشع
أنواع القتل والدمار، ودون أن يسمح النظام بأي اتفاقية تهتم بوضع اللاجئين
والمحاصرين أو المعتقلين. الأمر ذاته تفعله الجهادية، حيث تتحكم بالناس وترفض أي
اتفاقيات مع المنظمات المعنية بالإغاثة والإمداد للسوريين المهجرين.

أبرز ظاهرة لفتت الانتباه
هي التحرك الواسع للناشطين السوريين لمواجهة العاصفة، في لبنان وتركيا والأردن
وسورية، فبدؤوا بحملات قوية لتأمين احتياجات هؤلاء الفقراء. حديثنا لا يشمل من
استفادوا من الثورة وأثرَوا باسمها، وتحولوا إلى لصوص حقيقيين، ومنهم من يشارك بالائتلاف
الوطني وبسواه، بل يشمل هؤلاء الناشطين الذين وجدوا أخيراً قضية يهتمون بها،
فسارعوا لكل أنواع العمل. طبعاً هناك من لم يتوقف عن الاهتمام، ولكن تكرس نشاطه في
السنتين الأخيرتين كعمل بأجر، وليس كنشاط للاهتمام باللاجئين أو الثورة أو الناس
عامة. الاهتمام الأخير أقرب للنشاط السياسي ولو كان يستهدف مساعدة اللاجئين
لمواجهة هذه العاصفة القاتلة.

الناشطون كان لهم دور في
إطلاق الثورة، وتعاظمها في كل المدن والبلدات السورية، وتجرعوا سمّ الاعتقال
والقتل والتهجير والفقر وسواه، وقد غادروا ساحات الفعل لسببين رئيسيين: همجية النظام
وقتله لأجيال التنسيقيات الأولى، وتعاظم شأن الإسلام السياسي والجهادية لاحقاً. ولم
يترك الإسلام السياسي لهم خياراً لمتابعة الاهتمام بالثورة وبالناس. فقط في الأماكن
التي لم تسيطر عليها تلك التيارات المتأسلمة، بقيت علاقة الناشطين بالأهالي،
ولاحقاً بكتائبها المحلية، قوية ولم تتزعزع أبداً؛ إذن شكّل دخول الإسلام السياسي سبباً
رئيسياً للانفصال. دون أن ننسى أن النظام استهدف هذه العلاقة بالتحديد، حيث وصم كل
ناشط، وتحديداً الحداثي وهو الذي كان له الدور الرئيسي في إطلاق الثورة، بأنه يغطي
على الجهاديين والإسلاميين، ولم تكن الجهادية قد تشكلت بعد! هذا التوافق يثير
الحيرة، ولكنه الواقع. نفسر ذلك بأن النظام هو من أطلق الجهادية لتدمير الثورة
وذلك بالإفراج عن قيادتهم. وهم لا يهددونه فعلياً بينما يقاتلون، بكل ما أوتوا من
عزمٍ وصلابةٍ، الشعب في المناطق المحررة، ويبنون سلطتهم على جثث شهداء الثورة
وعذابات ناشطيها في السنوات الأولى لها.

عودة الناشطين للاهتمام،
وسرعة تحركهم، والنتائج الإيجابية على الناس، والتخفيف من آثار العاصفة، يشير إلى
أنهم لا زالوا مركز ثقة لدى الداعمين ولدى الناس كذلك؛ يساعد في ذلك معرفة العالم بأن
هدف الجهاديين والإسلام السياسي ليس تحقيق أهداف الثورة ولا مساعدة الناس لتأمين
حاجاتها، بل إقامة خلافة إسلامية كما داعش، أو إمارة إسلامية كما تفعل بقية
الحركات الجهادية.

العودة هذه إذاً ضرورة،
ولكنَّ شكلَ بدايتها كان عفوياً ومتعلقاً بمواجهة أخطار العاصفة. هي ضرورية لتجديد
كل الثورة وليس لهذه القضية بالتحديد؛ وهذا ممكن جداً كما أوضحنا أعلاه، لأن القوى
الجهادية أفلست كلية، وتتحكم بالناس بقوة السلاح وباسم الدين، وبعض الممارسات
القمعية، والتي قلصت من السرقات. العودة تتطلب قطع الصلات مع الهيئات السياسية التي
ادعت تمثيل الثورة، بينما تحولت إلى أدوات سياسية لتنفيذ مصالح الدول الخارجية.
وهنا يمكن لأي متابع أن يلاحظ كيف أن الائتلاف الوطني أصبح يمثل كتلاً سياسية، تمثل
دولاً خارجية.

من مثل الثورة فعلياً هم
أهل الثورة، ولا سيما تنسيقياتها الأولى، وبعض قواها السياسية المتجذرة فيها. وبالتالي
عودة الناشطين هي مسألة حياة أو موت للثورة، ولكي يكون الأمر ممكناً يتطلب ذلك أن
يتخلوا عن أنانيّتهم، وشخصنتهم للثورة، وكأنهم هم الثورة، وأن يتجاوزوا حساسياتهم
المتهافتة على التمثيل، والابتعاد عن الائتلاف الوطني، وطبعاً المجلس الوطني وهيئة
التنسيق، وتشكيل مجموعات سياسية جديدة، وممثلة من الداخل. وتكون مهمة الناشطين في
الخارج، إيصال رسائل محددة للعالم، وطلب المساعدة الشعبية، وتشجيع القيام
بالمظاهرات الضخمة للاحتجاج عما يحدث في سورية، ورفض كل ميل نحو الطائفية، سواء
تطييف الثورة أو النظام أيضاً، والتخلص من “الثرثرة” السمجة والتي تكرّر
أن الثورة ثورة حرية وكرامة، والتركيز على أنها ثورة السوريين من أجل حياة أفضل في
كافة مستويات الحياة، بدءاً بتأمين فرص العمل، والنهوض بالزراعة والصناعة والحريات
والنظام الديمقراطي والسكن والتعليم الجيد والطبابة ومساواة السوريين أمام
الدستور.

هذه عناوين أولية للبحث
فيها، كي تكون حجر الأساس في عودة الناشطين للثورة، وألا يكون الأمر محض مناسبة
متعلّقة بحادثة كارثية بحجم العاصفة الثلجية؛ أي زينة أو هدى.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *