قصيأسعد
“في الواقع، لا يوجد من يطلق على مسكنه منزلاً هنا، فابني أحمد البالغ منالعمر خمس سنوات، يكادينحصر مخزون ذاكرته فيمخيم الزعتري فقط، فهو لايعرف ما يعنيه لفظ “المنزل” ولم يسمعه قط في هذا المخيم، لكنه يدرك تماماً أنالزعتري يحتويعلى نوعين من السكن، هما الخيمة والكرفان”، تقول أم أحمد في حديث لها مع ”صدى الشام” من داخل مخيم الزعتري للاجئين السوريين في الأردن.
منازل للتجارة
أم أحمد، سيدة أربعينية، قتل زوجها في معارك درعا، لتجبر على النزوح
إلى مخيم الزعتري منذ نحو عامين، بيّنت أنّ“الكرفاناتعبارة عن مقطورة متحركةمصنوعة منمواد عازلة للحرارة، تكون أكثر صلاحية للسكنمقارنة معالخيمة التيلا تختلف في دلالتهاعما تتخيلوه، ففعلاً هيمن خيطان، ولايمكن بأيحال من الأحوال أنتقي البرد، خصوصاً ونحنالآن في منتصف الشتاء”، وتابعت “من لديه المال يستطيع أن يمتلك كرفان بشرائه من ماله الخاص، أماالفقير فتبدوحظوظه صعبة في الحصول على واحد، فالكرفانات حالياًأصبحت تُباع بالغالب وعددقليل منها يتم توزيعه بشكل مجاني تبعاً للحاجة، والأغلب يتمبيعه من قبل أصحابه عندما يغادرون المخيم، وبالنسبة لأسعار الكرفانات فأنهاتتفاوت بحسبالجودة والنوعية،فمثلاً الكرفانالكويتي هو الأفضل، حيث يصل سعره لـ 1000 دينار أردني ويستطيع أنيستوعب حواليالعشر أشخاص، أما الكرفانالعماني فيصل إلى 700 دينار، وهنالك أنواعأرخص كالقطري والكوري ونوعآخر يطلق عليه اسم الجسد الواحد، يصل سعره إلى 300 دينار كحد أدنى“.
وكانت آخر الكرفانات المرسلة إلىمخيم الزعتري قد وصلت كمساعدات انسانيةمن كوريا الجنوبية، حيثتم توزيع أربعين كرفاناًفي الشهر الماضي منالعام الفائت، وذلك بالتزامن مع زيارة وزير خارجيتها “بيونغ سي” للمخيم، الذيوعد بزيادة عدد الكرفانات لتبلغ 300 ضمن هذه الحملة.
التدفئة صناعة محلية
في حين يتمركز الزعتري
في منطقة صحراوية، شديدة البرودة، تعددت وسائل التدفئة داخله،“بينما ظلّت البطانيةالوسيلة الوحيدةالمتاحة للاجئالفقير، وللاجئ المتوسط الحال في حال انعدام الغازوانقطاع الكهرباء،إذ أنّ استخدامها فطريلايحتاج لتعليم،فماعليك إلاأن تتخذ من فراشك مكاناً فيحال اشتداد البرد”، تقول أم أحمد ضاحكة، وتضيف “الوسيلة الثانيةللتدفئة تقتصرعلى هؤلاء الذين يملكون مالاً، وقادرينعلى شراء الغاز الطبيعي، على مدار فصل الشتاء، أما الوسيلة الأكثر استخداماًهي التدفئة الكهربائية، رغمأنها ممنوعة ومحاربة بشدة،إلا أن كل المخيم يتدفئ عن طريق الكهرباء، ويكون ذلك عن طريق أجهزة تدفئة تم تهريبها إلى داخل المخيم”.
وتشيرأم أحمد إلى أن “الوقت الحالي اشتدت فيه الرقابة علىعملية تهريب المدافئ إلىالداخل، بالمقابلظهرت صناعة محلية جديدة مع بداية فصل الشتاء، فيتركيب أجهزة تدفئة كهربائية محلية عن طريق تجميع الأشرطة الكهربائية،بعد أن يتم الحصول عليها من خارج المخيم، ولا أظنأن أهالي المخيم يلامونعلى مخالفة القانون، فعندماترى أولادك يصابون بالبرد،هل ستتركهم يتجمدون أمالغريزة الانسانيةلديك ستدفعك إلى أي عمل يدفع عنهم الألم، مابالك إنكنت أباً !”.
ووفقاً لأم أحمد، فإنّ “ التياء الكهربائي نادراًماكان ينقطع في فصل الصيف، إلا أنه حالياً لم يعد يأتي سوى يومين في الأسبوع، لتبقىالبطانية الوسيلةالأكثر ضماناًلأبناء هذاالمخيم، فمعظمالحلول فيتدفئة مساكن المخيم تبدومكلفة عند البعض ومستحيلة عند من لايملك قوتيومه”.
مؤسسات التعليم “وهمية”
يتوزع في أنحاء المخيم، ثلاثةأنواع من المدارس التعليمية(البحرينية، والسعودية،والقطرية)،ففي بادئ الأمر كان التعليم يجري في الخيم لأكثر من ألفين طالب، بدوامين صباحيومسائي، ومع استحداث مدارسجديدة، تمتعيين 345 مدرس ومدرسة، و190 شخصاً آخر في مدارس رديفةللتقوية، وهي (الأمريكية، والنرويجية).
أبو ياسر، لاجئ داخل المخيم، يقول لـ”صدى الشام” إنّ “هذه المدارس وهميةولاتأتي بالمنفعةعلى الطلاب، حتى أن هذا الأمر تفاقم جداً في تأثيراته على استمرار وجود بعض الأسر في المخيم، ليصللحد يجبر هؤلاء على تركه لأجل قضية التعليم، فهنالك منلايزال مصراًعلى تعليم أولاده بأيطريقة، حتىوإن كان الخيار العودةإلى سوريا، فأغلب من يتركون هذاالمخيم ويعودونيكون لأجل هذا السبب”.
واستطرد أبو ياسر، “لديّ ثلاثةأطفال في المرحلة الابتدائيةبالمدرسة البحرينية،يتلقون تعليماًرديئاً جداًيصل لحد النتيجة العكسيةفي الفائدة، والله لو بقيوا أطفالي بلا تعليمقد يكون أفضل لهم من الالتحاق بهذه المدارس”.
من جهته، قدّر فريق “الإحصاءالشبابي السوري” وفق دراسةأجراها مؤخراً في المخيم أن “مايقارب1700 طالب جامعي محرومون منجامعاتهم ، بينما هنالكعشرة آلافطالب يفترض أنيكونوا هذه السنة على مقاعدالدراسة في الجامعات، ولم تتح لهم الفرصة”.
الأسواق السورية تجذبالأردنيين
أصبح مخيم الزعتري، مقصداً لسكانالمدن الأردنية، لتبضع احتياجاتهم ذات الطابع “الشامي”، ففي المخيم تشاهدمحال الحلويات الشامية بكثرة،كذلك مطاعم الدجاج المشوي،ولم يقتصر الأمر على ذلك فهناك أيضاً محالاً لصنع الملابس الصوفية وتجهيزالعرائس، وكلهايتم تجهيزها بأيدي سورية.
إنّ “حالة إتقان العمل التي يظهرها اللاجئالسوري، تثيردهشة الأردنيين واحترامهم للمنتجاتالسورية، فتلاحظهنا الفرق الواضح فيالخبرة بيناليد السورية والأردنية فيكل أنواع العمل، سواءالمأكولات أوالمنسوجات وحتىالأعمال المهنيةالأخرى” يعقّب أبو ياسر، مشيراًإلى أن “معظمم هذه المحال، تعودملكيتها لمواطنينأردنيين رغمأن معظم العاملين فيهاسوريين وقلّماتجد أردني يعمل في تلك المحلات، فهم يفضلون العامل السوريعلى نظيره الأردني رغمتوافق أجرة العمل بين الاثنين”.
وعلى هذا يلاحظ الزائر إلىمخيم الزعتري، بالرغم من كل المآسيالتي يعانيها اللاجئون السوريون هناك،حياة اجتماعية لاتختلف عمااعتادوه في بلدهم الأصلي، الذي يدفعهم الأمل في العودةإليه، للتأقلم مع كافة المصائب، وبناء مدينة جديدة
لا تفرق عن مثيلاتها الأردنيات، سوى في أنّها مدينة من خيمات!.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث