عمّار الأحمد
وإذ يقترب العام الخامس للثورة، فإن الواقع أصبح صراعاً إقليمياً ودولياً على سورية. بقاياها هم الأصل فيها راهناً؛ هم كل من لم يصبح جهادياً، أو تابعاً لدولة خارجية أو من عاد إلى حضن النظام. هؤلاء الناس موجودون في كل مدن سورية، المحررة والمسيطر عليها من النظام؛ وهنا لا يوجد دور سياسي (مظاهرات، احتجاجات قوية، بيانات قوية!، إلخ) لمن أصبح لاجئاً في الثورة، إلا ربما بعض الدعم الإغاثي بكل أنواعه.
الدور الروسي الآن وقبله الأمريكي وكذلك الدور الإقليمي، ساهم وأكمل مع النظام قتل الثورة وتدمير سورية، وهدفه الوحيد البدء بحل سياسي يعيد تأهيل النظام والتخلص من فكرة الثورة ذاتها؛ فأغلب ما يطرح عن سورية يتحدث عنها كطوائف وإثنيات وقوميات. أي ليس من شعب قام بثورة للإطاحة بالنظام. وهذا يحقق مصالح الخارج ومنه إسرائيل.
إذاً فشلت المعارضة في أن تحافظ على الثورة، وسياساتُها التابعة ساهمت في تدميرها وتبرير وجود الجهاديات بكل أشكالها، وهي من أدخل الإخوان المسلمين في الثورة. مع التأكيد أن لا الإخوان ولا الجهاديين كان لهم أي دور بالثورة حين انطلقت. وبمضي أربعة سنوات، فهناك دور كبير لهم في تدميرها وفرض سيطرة أصولية على المناطق المحررة توازي شمولية النظام، وموقفهم الحالي ينحصر في تشكيل دولة إسلامية أو خلافة إسلامية أو إمارة إسلامية، وهذا ضد أهداف الثورة، حين بدأت والآن. أما الثورة فتريد تغييراً شاملاً في الحياة، بما ينقل السوريين إلى حياة أفضل.
لا خيار للسوريين سوى إعادة تجديد ثورتهم؛ والحفاظ على ما تبقى منها في كل سورية، وهذا يتطلب أول ما يتطلب، مأسسة كل نشاطاتهم في نقابات واتحادات وجمعيات وأحزاب وسوى ذلك، ودفع الناس وفق كل مدينة وقرية ومنطقة للمطالبة بحقوقهم، ورفض الجهادية السلفية، التي هدفها نقل سورية من الاستبداد السياسي، والذي أفقر السوريين وأذلهم، إلى استبداد أصولي يتدخل بالشخصي ولا يترك مساحة حرة للفرد، حتى في منزله، ويُبقي على الإفقار والتهميش ويعمّق الذل.
مع اقتراب السنة الخامسة، وفشل كل المؤتمرات المتعلقة بسورية، ورداءة المعارضة واستبدادية الإسلام السياسي بما فيه الإخوان المسلمين (التسلط على المجلس الوطني مثالاً)، وفشله في تقديم أي بديل جدي لا عن النظام ولا عن المعارضة، فإن الشعب، كما وصفناه من قبل، يقع عليه إنهاء النظام والجهادية والانتقال بسورية إلى دولة لكل السوريين.
ليس موضوعاً بسيطاً ما نقترحه، ولكن هل من خيار آخر كحل ممكن؟ الخيار الآخر المطروح التدخل الخارجي المستمر والمزيد من التدمير للثورة ولسورية وللمستقبل، وربما تصبح سورية دولة فاشلة بكل معنى الكلمة.
يتطلب ما قلناه البحث بالفعل عن المشتركات بين السوريين، وتأسيس هيئات سياسة جديدة، تكون لها المرجعية في كل ما يخص الثورة وسورية. هنا، من الخطأ أن يقارَب الموضوع من زاوية أن سورية طوائف وإثنيات وقوميات، فهذا سيكون إكمالاً لرؤية النظام والمعارضة للثورة وللشعب، وقد بانت نتائجه كاملة، حيث الفشل وافتقاد السوريين لتقرير وضع سورية وتحكم الخارج، وحروبٌ مستمرة وجهادية متصاعدة، وتهميش كارثي وإفقار مرعب.
سورية في خطر حقيقي، فهي تتفتّت بما يقارب الوضع اللبناني والعراقي، والخوف أن تصبح مماثلة للوضع الصومالي، حيث انتهاء أي شكل من المشتركات الوطنية، وتمزق وحروب مستمرة وتدخل خارجي لا يتوقف.
إيقاف كل هذا التوجه يتطلب إنهاء كل أشكال تمثيل الثورة السابقة، والتي غالت في الاعتماد على الخارج وفي المال السياسي وفي الطائفية، لن يُخرجَ الوضعَ الحالي من مستنقعه لا الروس ولا الأمريكيون ولا دول الجوار. وتجربة أربعة سنوات كاملة يفترض أن تلقن الدرس لكل ثوري وطني، ولكل من يحسب نفسه على سورية ويريد نهاية النظام.
كل الداخل بحالة حرب أو تشدد أمني أو فرض سلطة شرعية قهرية على الناس، ولكن لا حلَّ آخر. السوريون يرفضون جبهة النصرة وداعش، وينتقدون الإخوان والائتلاف الوطني، ولا يقبضون هيئة التنسيق، والنظام خارج الحسابات المستقبلية. نقول أليس ذلك يقتضي العمل من أجل إعادة إنتاج النظام إذاً!
ما قلناه يستند إلى أن كل مبادرة لا تأتي بالتوافق بين روسيا وأمريكا فاشلة سلفاً؛ ومرور أربعة سنوات دون ذلك التوافق، وانفجار أزمة أوكرانيا والملف النووي وتأجيل حسمه، وانفجار الوضع العراقي وعدم حله أيضاً. هذه العوامل تؤكد غياب أي حل خارجي حالياً؛ وبالتالي الخيار الوحيد، ورغم كل تعقيده، هو الخيار الداخلي، أي إعادة الروح للثورة ولأهدافها في حياة أفضل في الوضع المعيشي وفي النظام الديمقراطي ونبذ الطائفية والجهادية وكل ميل قومي استقلالي، فهل يفعلها الثوار ثانية وينهون المأساة؟!
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث