الرئيسية / رأي / العالم ضد الثورة

العالم ضد الثورة

ثائر الزعزوع

شكل قيام حارس الثورة السورية، عبد الباسط الساروت،
بمبايعة تنظيم داعش صدمة للكثيرين، الذين قد أكون واحداً منهم. وقد سبق أن كتبت في
هذه الزاوية مقالة أبديت فيها إعجابي بالشاب الحمصي منشد الثورة، الفدائي الذي فقد
أشقاءه وظل مرابطاً في حمص القديمة رغم الحصار والتجويع، عكس الكثيرين ممن فروا
بجلودهم وتركوا الثورة وأهلها، وتحولوا إلى ناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي،
أو ربما تجار يبيعون ويشترون بالثورة، لكن الساروت خيب أملنا حين راهنا على بقائه،
وقرر أن يسير في ركب داعش، الذي لا تقل خطورته ولا إجرامه عن نظام العصابة الحاكم
في دمشق.

ذلك الخبر حول الساروت من بطل إلى خائن في نظر البعض،
ومن ثائر حر إلى إرهابي في نظر البعض الآخر، وعاد الساروت إلى واجهة الحدث لكن
ليُلعن ويُشتم، ثم ليُنسى بعد قليل في زحام الأحداث المتلاحقة. ولعل الساروت لم
يكن، ولن يكون، آخر المنضمين إلى داعش، فقد سبقه إلى ذلك مقاتلون من عناصر الجيش
الحر، وسوف يستمر هذا التفكك في بنيان الثورة، وهذا أمر طبيعي نظراً للكثير من
العوامل التي كثر الحديث عنها. فالعمل المنظم، الذي قامت به دول ومؤسسات عالمية لتفكيك
الجيش الحر، بدأ يأتي أكله بتغول جبهة النصرة، بعد أن تم تصنيفها كتنظيم إرهابي من
قبل الولايات المتحدة، ثم تحولها إلى رهان لدى الكثير من السوريين الذي شهدوا بأم
أعينهم انهيار حلم الحرية، لا بسبب قوة النظام، بل بسبب تآمر المجتمع الدولي على
الثورة. فالثورة فعل مرفوض عالمياً، لأنها لن تقتصر على مكان حدوثها وستمتد رياحها
إلى محيطها الجغرافي والإقليمي، ولن تتوقف عند بلد معين. وقد حدث هذا تاريخياً مع
الثورة الفرنسية، ومن بعدها مع الثورة الاشتراكية. ولأن المزاج العالمي ليس مهيّأً
لحدوث ثورة تعصف بما تم ترتيبه للعالم بأسره، فإن ما يحدث في الدول التي شهدت
انطلاقة الربيع العربي يعكس الصورة التقليدية الكلاسيكية التي يرغب صانعو القرار
العالميون باستمرارها؛ فقد أعيدت مصر إلى جادة الصواب، وكذا حدث في تونس الأمر
نفسه، وإن كنت أنا شخصياً أميل كثيراً إلى مباركة التجربة التونسية الممتازة،
وأخشى أن تتدهور الأحوال، في حال حدوث أي حادث قدري. فالرجل الذي انتخب ليحكم بلد
ثورة الياسمين على أعتاب التسعين من عمره، والأعمار بيد الله. المهم أن الفوضى
التي نشهدها الآن في دول ثلاث هي سوريا طبعاً وليبيا واليمن، تنبئ أن العالم بأسره
لا يريد لهذه الدول أن تستقر أو أن تنتصر ثوراتها، وقد يكون تحويلها إلى بؤر
فوضوية هو بمثابة تأخير لانتصارها من ناحية، وإعطاء الدول المتخوفة من امتداد
آثارها الثورية فرصة كافية لمعالجة مشاكلها الداخلية، ومحاولة التصدي لفعل الثورة
حين يكون وصولها أمراً محتوماً من ناحية أخرى. ولهذا، فقد تم تدمير بنى الثورة
الرئيسة في سوريا وتفكيكها، وتصنيع بنى تساعد أكثر على انتشار الفوضى، لكنها لن
تمنح النظام نفسه فرصة لاستعادة قوته وسيطرته، فكما أن نظامي علي عبد الله صالح
والقذافي قد سقطا فإن نظام الأسد قد سقط، ولم يعد نظاماً فعلياً، منذ أن قررت درعا
ألا رجوع إلى الوراء، ومنذ أن هتف الساروت في إحدى ساحات حمص، قبل ثلاث سنوات ونيف،
الشعب يريد إسقاط النظام، أي منذ أن تحول حارس مرمى نادي الكرامة السابق إلى رمز
من رموز هذه الثورة المستمرة، وصار السوريون ينشدون معه جنة جنة سوريا يا وطنا.
ولكن لماذا يبايع الساروتداعش؟

لا نريد أن نحمل الساروت عبئاً فكرياً أكبر مما يحتمله،
فالشاب الرياضي الرشيق الذي لم يستطع النظام اعتقاله، والذي تدرج شيئاً فشيئاً من
متظاهر إلى منشد إلى مقاتل، وجد نفسه وحيداً يبحث عن جنته، عن سورياه التي دفع
أشقاؤه حيواتهم فداءها، عن سورياه التي لم يعد قادراً على احتضانها، ولم تعد هي
قادرة على احتضانه، وقد رأى بأم عينه كيف أن تنظيم “داعش” يمتد أفقياً
وعمودياً، دون أن يستطيع أحد الوقوف في وجهه، وهو يتغول على حساب لا الجيش الحر
فقط، بل على حساب جيوش المنطقة في العراق وسوريا ولبنان، وربما الأردن أيضاً، وهو
قادر على “الصمود” رغم تحالف دولي تقوده الولايات المتحدة، وهي تقوم
بقصف مواقعه منذ أربعة أشهر تقريباً دون أن تتمكن من القضاء عليه. كل هذا يجعل
“داعش” ملاذاً أخيراًللساروت، الذي يستطيع الآن أن يطمئن إلى أن هتافه بسقوط
النظام لن يضيع، وأن عودته إلى “حمصه” التي كان آخر الخارجين منها لن
تكون بعيدة، رغم أننا جميعاً نراهن على أن “داعش” لن تمتد إلى المناطق
الواقعة تحت سيطرة النظام، وهي تهتم أكثر بالهجوم على المناطق المحررة وعلى معاقل
الجيش الحر الذي يصنف “داعشياً” بأنه مرتد وينبغي قتاله، وقد أعدمت داعش
العشرات من مقاتلي الجيش الحر الذين قاتلوها، وفر الكثيرون من سطوتها، ومن
إجرامها.

لا نريد أن نبرر للساروت، فما حدث شكّل انحرافاً في مسار
واحد من رموز الثورة، وخصوصاً لأولئك الذين كانوا يرون أن الساروت هو الثورة، ولكن
هل تتوقف الثورة عند الساروت أو سواه؟ بكل تأكيد، الثورة لم تبدأ من الساورت ولن
تتوقف عنده، ولعل الثورة هي قدر سوريا الذي سيمتد إلى المنطقة قريباً، مهما حاولوا
تأخيره، مهما تآمروا عليه،بداعشهم أو بسواها، الثورة
مستمرة.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *