صدى الشام- تقارير
يجلس أبو مصطفى في منزله بجبل الزاوية في ريف إدلب، بجانب مدفأته العتيقة، مستمتعاً بصوت احتراق الحطب، ولكن ليس أي حطب، فما كان يحترق في مدفأة أبو مصطفى هو ما تبقى من أشجار التين والزيتون في بستانه، إذ لم يجد ما يستقبل به شتاءه هذا العام إلا تلك الأشجار.
يتحدث أبو مصطفى لـ”صدى الشام” فيقول “مصير هذه الأشجار أن تساعدنا، سواء في حياتها وثمارها، أو في قطعها وحرقها، كلما أقوم بقطع شجرة منها، أحس بقطع نفسي، فهذه الأشجار زرعتها منذ 20 عاماً. ولكنها ليست أغلى من أولادي، الذين سيقتلهم البرد إن لم نوقدها”.
مع دخول فصل الشتاء، اضطر الأهالي في ريف إدلب شمال سوريا، إلى قطع أشجار الزيتون والتين، وغيرها من أشجار الأحراش المنتشرة هناك، واستخدامها حطباً للتدفئة، في ظل ندرة مادة المازوت وارتفاع ثمنها، حيث يشرح “سالم مصطفى”، أحد السكان المحليين، لـ”صدى الشام” عن أسباب قطع الأشجار، فيقول: “نحن مضطرون بسبب البرد القاسي، خصوصاً في ظل انقطاع الكهرباء وندرة مادة الغاز والمازوت، لقطع الأشجار للطبخ والتدفئة. ليس لدينا أي خيارٍ ثانٍ، فأولادنا أهم من الشجر، ومن كان يخاف على الشجر، فليأتِ لنا بالبديل ويوفر لنا الوقود والغاز بسعر مقبول”.
ويعتبر الزيتون من أهم المحاصيل في ريف إدلب، التي كانت تُدرّ في الماضي على زرّاعها أرباحاً جيدة، وإلى جانب قيمتها المادية، تتمتع أشجار الزيتون بقيمةٍ معنوية كبيرة، لأنها تستغرق وقتاً طويلاً حتى تؤتي محصولها، وهي من الأشجار المعمرة التي يتفاخر الفلاحون فيما بينهم بامتلاك العدد الأكبر منها، ويؤكد العامل في تقطيع الأشجار “محمد عبيدي” أن “الكثير من الأهالي يقومون باستدعائه من أجل هذا العمل، وأن معظم هذه الأشجار لا تعاني من أمراض، بل هي منتجة وفي حالة جيدة “.
ومن جهة أخرى، فإن غياب الرقابة أو الجهة التي يمكن أن تحمي الغابات ساعد، وبشكل كبير، على انتشار عمليات الاحتطاب الجائر، حيث لا يقف قطع الأشجار عند حد الحاجة والاكتفاء الذاتي فقط، بل تطور الأمر ليصبح تجارة يقوم بها كثيرٌ من الناس، ممن يملكون سيارات نقل كبيرة، إذ يصل سعر الطن الواحد للخشب المُقطع إلى ما يقارب 15 ألف ليرة، ولاقت هذه التجارة رواجاً بسبب العوز والحاجة لدى الناس.
يشرح “أبو سالم عزيز” وهو أحد العاملين في هذا المجال فيقول: “يتجه يومياً عشراتٌ من السكان والقاطنين في المناطق المحررة إلى الأحراش القريبة من بلداتهم وأراضيهم، لاقتطاع ما تيسّر لهم من الحطب بهدف بيعها والحصول على مردود مادي، حيث باتت أحراشٌ بكاملها تتعرض لاقتطاع عشوائي من السكان الساعين لدرء البرد، والساعين للحصول على مردود مادي”.
ويتابع حديثه “لجأتُ لهذا العمل بسبب غلاء مواد التدفئة، وعدم القدرة على شرائها، وبنفس الوقت فهي تُعطي مردوداً مادياً” معتبراً “أن النظام السوري أوصل البلاد إلى ما وصلت إليه، وأن الائتلاف الوطني والحكومة المؤقتة وبعض الفصائل العسكرية يتحملون مسؤولية المآسي التي يعيشها المواطن في المناطق “المحررة”، متهماً إياهم بالتقصير وعدم توفير الاحتياجات الأساسية للناس، في المناطق المحررة، وأهمها مواد الطاقة”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث