داعش تصنع مستقبلها
أطفال بأعمار صغيرة، لا يتجاوز عمر الواحد منهم عشر سنوات، جيء بهم من كازاخستان ومن أوزبكستان ومن سواهما من الدول الإسلامية، لا يتقنون اللغة العربية ولا يعرف أحد كيفية إحضارهم إلى معاقل داعش، يتم تدريبهم على أصول القتال، وتحفيظهم مختارات من القرآن ليقول أحدهم أمام الكاميرا إنه سيصير ذباحاً للكفار، هكذا تصنع داعش مستقبلها، وبكل بساطة سيتحول هؤلاء الأطفال إلى قتلة محترفين، بينما يتشرد أطفالنا غير قادرين على الذهاب إلى المدارس أو اللعب، بمثل هذه الدروس تستطيع “داعش” أن تتحول من مجرد عصابة إرهابية إلى منظمة عابرة للقارات هدفها نشر “ثقافتها” والاستمرار سنوات طويلة، إن لم يكن من خلال بقائها على الأرض في المناطق التي تحتلها، فمن خلال هؤلاء القتلة الذين يتم تحضيرهم للانتقال لاحقاً إلى بلدان العالم، الذي لم يتوصل حتى الآن إلى طريقة للقضاء على تنظيم داعش أو الحد من سيطرته، مقطع الفيديو الذي عرضته قناة العربية مترجماً لم يتجاوز الدقائق الثلاث، لكنه سيترك أثراً كبيراً على نفوس الأطفال الذين يمكن أن يتابعوا هذا الفيديو، وسواه من الأخبار التي تشيد بقوة داعش، وبقدرتها على قهر الجيوش وتصورها على أنها قادرة على فعل ما تريد، وأن لا قوة في الأرض قادرة على قهرها، وتقول تقارير من داخل المدن التي تحتلها داعش إن الكثير من الأطفال، الذين لم تتجاوز أعمارهم الأربع عشرة سنة، قد بدأوا يحاكون مقاتلي داعش في طريقتهم في اللباس أو الكلام حتى، وسينخرط معظمهم في معسكرات داعش القتالية ليتحولوا، طوعاً أو كراهية، إلى قتلة، في ظل انعدام المدارس التي بدأت داعش حربها عليها مبكراً، والظروف الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها المواطنون. وهكذا، تتمدد داعش إلى داخل بيوتنا بعد أن كانت تقف على عتباتها وتهددنا فقط، وهكذا يصير لزاماً علينا أن نفكر في أن خطورتها لا تكمن فقط في قيامها بالسيطرة على حقول النفط، بل علينا أن نفكر بما ستخلفه حتى بعد زوالها، فالحقيقة أن القنابل المؤقتة، التي تقوم داعش حالياً بإعدادها، قد تكون أخطر بكثير مما فعلته حتى الآن، وهو ما سيكون أخطر من كل ما فكرنا به، فهي تسرق منا مستقبلنا. تماماً كما هدمت، بالتزامن مع ما هدمه النظام، ماضينا وحاضرنا، وستكون مسؤولية إعادة الأطفال وتأهيلهم ليتجاوزوا “الفكرة” الداعشية ربما أصعب بكثير من محاربتها على الأرض.
يظهر في مقطع الفيديو طفل صغير لم يبلغ الثالثة من العمر وهو يرتدي زياً عسكرياً ويحمل بارودة صغيرة صممت له خصيصاً، ولأقرانه على ما يبدو، وهو يهرول مع آخرين ويهتف “الله أكبر” يسأل الشيخ طفلاً آخر عن مكان وجوده، فيقول إنه موجود حالياً في الدولة الإسلامية وإن أميره هو أبو بكر البغدادي، هذه كلها تفاصيل قد لا تستوقف الكثيرين، تماماً كما قد لا تستوقفهم حكاية طفل من إحدى القرى في ريف حلب،والتي لا تقع تحت سيطرة داعش، وهو يبلغ من العمر ثلاثة عشر عاماً، فر من بيت أهله والتحق بمعسكر لداعش، وهو الآن مقاتل شرس من مقاتلي التنظيم. فلماذا فر هذا الطفل؟ ومن المسؤول عن وصول التنظيم إلى داخل بيوتنا؟ وهل تنجح الدعاية الإعلامية للتنظيم في استجلاب مقاتلين جدد؟ هذه الأسئلة تبدو الإجابة عليها صعبة إذا عرفنا أن فتياناً في السويد وفرنسا وإنكلترا وألمانيا معجبون كثيراً بداعش، وقد دخل بعضهم الإسلام رغبة منه في الوصول إلى “دولة الخلافة”، بينما قلة هم الأطفال، بل وحتى الكبار في أوروبا وأمريكا،الذين يعلمون أن ما يحدث في سوريا هو ثورة، وليس حرباً، علينا ألا ننكر هذه الحقائق، وأن نواجهها، كي نتحمل مسؤولية عواقبها، جميعاً ودون استثناء. فقد تمكن تنظيم داعش من إدارة “معركته” إعلامياً بطريقة ناجحة، وقد صنع مجموعة من الأفلام التي تم بثها عبر بعض مواقع التواصل الاجتماعي مترجمة إلى اللغة الإنكليزية، وما دام غالبية الأطفال معجبين بنموذج رامبو وسواه من الأبطال الخارقين، الذين صنعتهم السينما الأميركية، أو الألماني وعبده موته، ممن صنعتهم السينما المصرية، فإن إعجابهم بإجرام داعش أمر طبيعي جداً، وليس من حقنا أن نستغرب. وليس من حقنا أيضاً أن نقف مكتوفي الأيدي، ونحن نرى مستقبل أطفالنا مهدداً. وأعيد لأكرر، حتى في حال انتهاء ظاهرة داعش، فقد تمكنت الولايات المتحدة من القضاء على حركة طالبان كما زعمت، لكننا نعلم تماماً أن لا شيء في أفغانستان قد انتهى، فمدارس تحفيظ القرآن، التي كانت ترعاها طالبان، كانت مدارس طالبانية، وما دام القرآن “حمال أوجه” فإن احتمال التأويل والتفسير وارد في كل نص، وهكذا يمكن لداعش أن تستخدم القرآن لخدمتها، وأن تحول حلقة دراسية لأطفال صغار إلى خلية إرهابية قادرة على ترويع العالم بأسره.
في عقيدة “داعش” لا طفولة، فكل الذكور هم رجال، وكل الإناث هن نساء، ووفق هذه العقيدة فإن الذكور جميعاً محاربون، ما إن يتمكن الواحد منهم من حمل البندقية وإطلاق النار، أو في أسوأ الحالات أن يفجر نفسه… هذا ما يحدث هناك خلف أسوار داعش، وهذا ما لا يراه الكثير من الإعلاميين والصحفيين الذين يعملون، وللأسف، في قنوات فضائية تعمل على نشر “داعش” والتسويق له، وهي تدعي محاربته، وهم لا يعلمون أن أطفالهم قد يتحولون بفعل تلك المتابعة إلى داعشيين صغار لا يلبثون أن يصبحوا كباراً.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث