الرئيسية / تحقيقات / منظمات المجتمع المدني ..النشاط الإشكالي في الثورة السورية

منظمات المجتمع المدني ..النشاط الإشكالي في الثورة السورية

حلب – مصطفى محمد
تزداد الحاجة للخدمات التي تقدمها منظمات المجتمع المدني، في زمن الحروب والكوارث، وخصوصاً في المناطق السورية الخارجة عن سيطرة النظام، وذلك لغياب الخدمات الضرورية  بشكل شبه تام عن هذه المناطق، بعد أن تُرك أغلبها بدون غطاءٍ خدماتي من النظام الذي عمد إلى تخريبها، فضلاً عن تضييق الخناق على سكانها، بالحصار حيناً، وسياسة التجويع التي ينتهجها الأخير كعقابٍ جماعيٍ لكل المناطق التي تخرج عن سيطرته.
وإزاء هذا الواقع تقوم بعض منظمات المجتمع المدني، التي تُعتبر “حكومة ظل” في المجتمعات المتقدمة، على كافة اختصاصاتها (الطبية، الإغاثية، التعليمية، التثقيفية)، بمحاولة إنقاذ مايمكن إنقاذه، عبر تقديم خدماتها للمواطن السوري، الذي أنهكته هذه الحرب التي يشنّها النظام على الشعب، سواء كان هذا المواطن يعيش في الداخل السوري أو في دول الجوار، ومحاولة إنقاذه من حالة التردي الاقتصادي والاجتماعي، والقيمي في بعض الأحيان.
وتقدم منظمات المجتمع المدني خدماتٍ رديفة للخدمات الحكومية، التي قد يتعذّر على الحكومة القيام بها، وخصوصاً في المجال التعليمي والثقافي. ويُعزى، في كثير من الأحيان، إلى هذه المنظمات الكثير من المهام الرقابية على أداء الحكومة، من خلال تشكيل جماعات ضغط على هذه الحكومة. 
نشاط شبه وحيد
بينما تغيب الإحصائيات الدقيقة عن عدد هذه المنظمات المنتشرة في الداخل والخارج، إلّا أّن أغلبها نشَطَ في المجال الإغاثي، وذلك وفقاً لما يفرضه الواقع الراهن.
ويعتبر رئيس منظمة الشباب المدني السوري، هاني العزو، أن جلَّ هذه المنظمات  قد أغفلت الجوانب التوعية والتثقيفية، ويُرجع العزو ذلك، إلى تبعيّة هذه المنظمات إلى أحزاب سياسية، أعاقت في كثير من الأحيان، عمل هذه المنظمات.
ويضيف لـ”صدى الشام”، “هناك الكثير من المبررات التي صبغت عمل هذه المنظمات بصبغة واحدة، ومن أهم هذه المبررات، هو العجز الاقتصادي الذي وقع به المواطن السوري، تزامناً مع غياب فرص العمل، والانقطاع التعسفي لشريحة واسعة من الموظفين، ومانتج عن ذلك من عدم مقدرة المواطن السوري على تأمين مصدر دخلٍ يقيه حاجة السؤال.
بالتالي صار تقديم الطعام هو الحاجة الأكثر إلحاحاً للمجتمع السوري، والذي يعيش قسم كبير منه تحت خط الفقر”.
غياب الاستقلالية
تعتبر الاستقلالية، إحدى أهمّ الشروط الواجب توفرها في منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى عدم ربحيّتها، حيث تتلقى منظمات المجتمع المدني تمويلها، في الغالب، من الحكومة، فضلاً عن امتلاكها مصادر تمويل ذاتية، تتمثل بمشاريع إنتاجية تقيمها المنظمة، فكان أن أدى غياب مصادر التمويل الطبيعية عن المنظمات السورية، إلى ارتماء بعضها في أحضان الداعم، والعمل وفقاً لرغباته، سواء كان هذا الداعم شخصاً، أو حزباً سياسياً.
” ليس من المبرر أن تسيّس المنظمات، ومجرد تسييسها يلغي عنها صفة المؤسسة المدنية. إلّا أنّ غياب التمويل، مع الحاجة الملحة له للنهوض بالأعباء، دفع الكثير من هذه المؤسسات إلى التسيس” هذا ماقاله مدير إحدى هذه المنظمات التي تنشط في المجال الإغاثي، والذي طلب عدم الكشف عن اسمه.
ويتابع، “حتى الفصائل العسكرية فاقمت من هذا التسيس، الذي يُنتج عدم الاستقلالية، فاليوم تجد في الداخل السوري المحرر، مؤسسات مجتمعٍ مدني محسوبةٍ على هذا الفصيل أو ذاك، ولكل فصيل أيضاً مناطق جغرافية يتحكم هو بها”.
تضييق من الحكومات المستضيفة
تتعرض منظمات المجتمع المدني للتضييق من قِبل دول الجوار، والتي تنشط هذه الجمعيات على أرضها، وخصوصاً في المملكة الأردنية الهاشمية، وهذا بحسب (ص- ع)، مديرة إحدى الجمعيات الناشطة في المجال الطبي والتعليمي.
ورفضت (ص-ع) الكشف عن اسمها الحقيقي، خوفاً من إيقاف نشاط الجمعية من قبل الحكومة الاردنية.
وأخبرت “صدى الشام”، تفاصيل ذهابها إلى أحد الأفرع الأمنية في العاصمة الأردنية “عمان”، بطلب من الفرع الأمني، حيث قالت:”بعد استدعائي للفرع والجلوس مع المحقق، بادرني بسؤالٍ وحيد، من أين تحصلون على الدعم؟وكان جوابي: عن طريق علاقاتٍ مع أشخاصٍ ومؤسساتٍ تهتم بالتبرع والعمل الخيري. إلّا أنّ المحقق لم يقتنع”. وتضيف”ربما لأنني أحمل جنسية غير سورية، فضلاً عن الجنسية السورية، كان تعامله معي مقبولاً، إلّا أنّ حوادث مشابهة وقعت مع رفيقاتٍ أعرفهم، وانتهت بطردهم من الأردن”.
وروت (ص-ع) حادثة إرغام السلطات الأردنية لإحدى الناشطات السوريات في المجال التعليمي، على توقيع تعهّد بعدم استلامها أي مبلغ مالي، ضمن أراضي المملكة، فضلاً عن إخطارها بأنها شخصٌ غير مرحبٍ به على الأراضي الأردنية، ووجوب مغادرتها البلاد في غضون فترة لاتزيد عن الثلاثة أشهر.
وبحسب (ص-ع)،”فإن عدد الجمعيات والمؤسسات المدنية يتناقص يومياً، ويتكرر الأمر بإغلاقها، ومن ثم ترحيل طواقمها، إلى الداخل السوري”. وتبعاً لمصادر أخرى، فإن منظمات المجتمع المدني، المتمركزة فوق الأراضي التركية، تنعم بفسحةٍ أكبر من تلك التي تملكها بعض المنظمات العاملة في الأراضي الأردنية واللبنانية، وتكتفي الحكومة التركية بدور المراقب البعيد لعمل هذه المنظمات، وأبعد من ذلك، تقوم الحكومة التركية بمد يد العون للكثير منها. 
الجهل بالمعنى
احتكر النظام السوري مؤسسات المجتمع المدني منذ تأسيسها، وذلك عبر تسليم الملف الضئيل أصلاً، لزوجة رأس النظام “أسماء الأسد”، بيد أن الأخيرة، وكما يبدو، استفادت من تجربة زوجها، وأوكلت الملف بدورها إلى الأجهزة الأمنية، التي أعاقت انتشار هذه الجمعيات، ووضعت العراقيل أمام تأسيسها، نظراً لحاجة هذه المؤسسات إلى الترخيص، والموافقة من قبل هذه الأجهزة.
نتج عن ذلك غيابٌ شبه تام، لثقافة المجتمع المدني، فضلاً عن تحولها لتهمة في بعض الأحيان بسبب الجهل بمعناها.
وتعليقاً على ذلك، أكد هاني العزو، مدير منظمة الشباب المدني السوري، على أن الخلط بمعنى المجتمع المدني، يتجاوز عامة الشعب، ليمتد إلى الطبقة المثقّفة.
ويوضح العزو بالقول:”يغيب المعنى الحقيقي لهذه المنظمات عن الكثير من أبناء الشعب السوري، ويعتقد بعضهم مخطئاً، بأن هذه المنظمات ربحيّة، أو دينية في بعض الأحيان، بينما غالباً تعتمد هذه المنظمات على التطوع كأساس في العمل”.
الحكم على عملها
لم يمضِ على تأسيسها الكثير من الوقت، إلا أن التحدي الذي تمثله الحالة الإنسانية السورية، أفضى إلى فاعلية بعض المنظمات، بسبب حجم هذا التحدي الكبير، وهذا بحسب الحقوقي “مثنى ناصر”، المدير التنفيذي للمركز السوري للدراسات وحقوق الإنسان.
وأرجع ناصر في حديثه لـ”صدى الشام” عدم فاعلية بعض هذه المنظمات، إلى حالة الحرب والعنف التي تشهدها البلاد، مضيفاُ أنّ على هذه المنظمات رفع جاهزيتها، والوقوف بقوة أمام التحديات، لأنها قد تكون الأمل الوحيد أمام المواطن السوري.
ويمثل التحدي التعليمي الآن، أحد أكبر التحديات، حتى تثبت هذه المنظمات فاعليتها، وتقوّي من حضورها في الداخل السوري، الذي يفتقر إلى الدعم اللازم لتأمين استمرار العملية التربوية المنقطعة منذ قرابة الثلاثة أعوام.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *