رانيا مصطفى
تستيقظ روسيا من سباتها السياسي، لتستعجل تسويةً سياسيةً للأزمة السورية، وجدت نفسها فجأة مضطرةً إليها. وأية تسوية هذه التي اضطرها إليها الخوف من تخلي الأسد عن حاجته لها؟ بعد مغازلته مراراً لأمريكا وتحالفها ضد داعش، وبعد استجدائه لعودة علاقاته القديمة، وتعاونه مع المجتمع الدولي من بوابة محاربة الإرهاب.
روسيا المعاقبة اقتصادياً من أمريكا وأوروبا، والغارقة في أزمةٍ اقتصاديةٍ حادة، مع تخفيض سعر النفط لأكثر من 40 في المئة، وتدهور عملتها، هذه الدولة العظمى واقعة اليوم في مأزق سياسي؛ فمصالحها في سورية تقتضي بقاء الأسد، أو أقلها استمرار الصراع الذي حصلت خلال سنواته الأربعة على عقود استثمار، وعلى نفوذ سياسي في المنطقة، مقابل دعمها اللامحدود لنظام الأسد، وظنت أنها آمنة على ما كسبته طالما لا نية للغرب وأمريكا بإسقاط النظام بالقوة. وفي الوقت نفسه الذي تعيش فيه روسيا أزمة اقتصادية، تجد نفسها مضطرة لعقد الصفقات الاقتصادية مع الأتراك، وهم من الحلف الأكثر تعنتاً باتجاه إسقاط نظام الأسد. وبالتأكيد، ستؤثر التوافقات الاقتصادية على المساعي السياسية، وعلى الشعور الروسي بالأمان تجاه بقاء الأسد، ومعه مصالحها التي باتت مصيرية بالنسبة لها.
روسيا هذه مبعدةٌ من التحالف الدولي ضد داعش، والذي تحلّق طائراته وتقصف في العراق، وفي سورية، وبالتأكيد، بتنسيق ما مع النظام السوري. أي أن روسيا مبعدة من تحالفٍ يقوم بتدخلٍ عسكري مباشر في منطقةٍ تعتبر منطقة نفوذ لها.
روسيا هذه تعاملت ببرودة وتعنت مع المعارضة السورية على مدار السنوات الأربعة، ولم تسعى جدياً إلى دعم أي طرف في المعارضة، سوى تلك الأطراف التي يرضى عنها النظام وإيران، وبالقدر الذي يريد.
وروسيا عجزت أيضاً عن جذب أطراف من قلب السلطة إليها، من غير عائلة الأسد ومن يحيطون بها، بل وعجزت عن خلق تكتلات ضمن السلطة أو اختراقها. النظام قدم نفسه لحليفه الروسي ككتلة واحدة، حيث تتحكم عائلة الأسد بكل مفاصل الدولة: الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية. وأي تنازل منه سيعني بالضرورة انهياره، الأمر الذي لا يريده الروس أنفسهم.
في الوقت نفسه، وقعت فصائل عسكرية تابعة للجيش الحر في الجنوب على اتفاقية دفاعٍ مشترك، وبتنسيق عسكري وإعلامي موحد، وتنسيق سياسي عبر سياسيين وناشطين في الخارج، ويتطلع هذا الكيان الجديد إلى دعم دول “أصدقاء سورية”، ليكون أساساً لجيش وطني، يسعى لضم الفصائل الأخرى غير الإسلامية، بمن فيها جيش النظام، حسب ما صدر عنهم. وبالتالي إن تحقق ذلك سيكون ورقة إضافية بيد “أصدقاء سورية” ضد روسيا، ما سيزيد الضغوط السياسية عليها، ويفشل مبادرتها.
روسيا هذه، هي بعكس إيران التي اخترقت الداخل السوري، وبشكل طائفي، حيث تدعم ميليشيات بعينها، وتسعى لتشكيل جيش طائفي موازٍ لجيش النظام. الأمر الذي يدخلها في صراع دائم على السيطرة مع جيش الأسد، لكن ضعف نظام الأسد وتقلص الكتلة البشرية المقاتلة معه، يجعل الغلبة لصالح إيران، حيث تغدق أموالاً كثيرة على تجنيد المفقرين، ومن كل البيئات السورية. هي تحسب حساباً لسقوط النظام، أو لإمكانية تسوية سياسية، وتجهز بديلاً تابعاً لها، بديلاً طائفياً، كما يشتهي المجتمع الدولي.
إيران هذه تنشط سياسياً في الفترة الأخيرة، حيث التقارب مع أمريكا بشأن ترتيب الوضع الداخلي في العراق، وتتعرض للابتزاز الأمريكي بشأن الاتفاق النووي المرجأ حتى تموز المقبل، هي اليوم ليست في حلف الروس كلياً، كما كانت في عزلتها الدولية السابقة، الأمر الذي يضعف حصة الروس في النفوذ في سورية، ويقوي رغبة النظام في التقرب من أمريكا.
اليوم يقترح وزير خارجية روسيا، بوغدانوف، موسكو1، كحل جديد يقوم على جنيف1 من حيث أن سورية منطقة ستخضع للنفوذ الروسي، وفي الوقت نفسه يتناقض هذا الحل مع جنيف1 ومع نفسه، في أنه لا يحل عقدة الأسد. الأسد المسيطر على كل مفاصل الدولة والضامن لمصالح روسيا في المنطقة، إن أُزيح وشُكّلت حكومة انتقالية من النظام والمعارضة، كما في جنيف1، فلا مأمن للروس حينها من سيطرة الأوروبيين والأمريكيين والأتراك على تلك المصالح، وإن بقي الأسد جزءاً من الحل، فسينتهي هذا الحل قبل أن يبدأ، فلا قيمة له لدى غالبية الشعب السوري، ولدى كتائب الجيش الحر، والكتائب الإسلامية المعتدلة، إن لم ينهِ حكم الأسد ويوقف التعديات الأمنية على الشعب، ويخرج المعتقلين، ويعيد المهجرين إلى الداخل، على أقل تصور.
بالتالي، فإن الطرح الروسي الجديد، وكما تسرب، بتقليل صلاحيات الرئيس، وإعطاء المعارضة غالبية الحقائب الوزارية برئاسة معاذ الخطيب، ليس إلا محاولة لخداع الشعب السوري، والغرب كذلك، فهو محاولة للحفاظ على النظام، وإعادة إنتاجه، وتصب في نفس خانته خطة ديمستورا لتجميد القتال في بعض المناطق، من حيث خدمة النظام. هذا الطرح الذي يبقي للنظام وزارة الدفاع وكامل الأجهزة الأمنية، سيبقيه متحكماً بالاقتصاد والاستثمارات. هي تسوية لن تمر، وستُسقِط معها أية معارضة تُشارك فيها.
روسيا المتجمدة سياسياً تستعجل حلاً، حلاً يضمن مصالحها ونفوذها واستثماراتها التي حازت عليها خلال سنوات الثورة، مقابل دعمها للنظام، ولا يمكن أن تقبل تسويةً تحقق مصالح الغير لا مصالحها. هي عقدة الأسد التي لا حلّ لها الآن، سوى بسقوطها داخلياً. هذا ما يجب أن تعمل له قوى الثورة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث