نبيل محمد
يمكن لمديريات الزراعة في عدة مناطق سورية وخاصة في المحافظات المشهورة بالثروة الغابية أن تستعرض منجزاتها اليوم، بالسرعة الكبيرة التي حققتها في خطط الحراج وتوسيع الأراضي الزراعية وغرس الأشجار، فالمهمات التي عادة ما يقوم بها موظفو تلك المديريات أصبحت تقدَّم بشكل مجاني لهم من قبل سكان المناطق المحيطة.
اليوم، بات بإمكان مديريات الزراعة التغاضي عن زوال آلاف الأشجار التي كانت تزين الجبال، وتعتبر إحدى ثروات البلد متعدد البيئات، لصالح الحديث عن مناطق زراعية جديدة على أنقاض غابات الصنوبر والسنديان والكينا. وبإمكانها أيضاً وضع يدها في يد البلديات والإدارات المحلية لإعلان الانتصار على أزمة ضيق وقلة الطرق الزراعية، فالمواطن الذي لم يعد يجد سلاحاً لمحاربة برد الشتاء القارس سوى منشار الحطب، شقّ لتلك المديريات الطرقات التي كانت تحلم بها.
مع بداية عام 2014 وضعت مديرية زراعة طرطوس خطتها التي تتضمن تحريج 53 هكتاراً في المحافظة الساحلية الجبلية الضيقة، وأعلنت بيع ما يجاوز 500 طن من الأخشاب، منها حوالي 400 طن بغرض التدفئة، كما بيّنت أن جزءاً كبيراً من عمليات قطع الأشجار يأتي في سياق خطة قطع مصدّات الريح، وهي تعلم تمام العلم أن المحافظة فقدت ما ينوف عن 50 بالمئة من ثروتها الغابية دون تراخيص للقطع وإنما بمجرد غضّ النظر عن ورشات القطع المنتشرة في الجبال والتي ليس باستطاعتها ضبطها، لأنها بذلك تعلن القضاء على سكان المنطقة بالتعاون مع برد قارس لا يوجد سوى الحطب لمواجهته.
يحمل أسعد وهو شاب هارب من خدمة العلم منشاره بصحبة أكثر من عشرة شبان من ريف مدينة بانياس ليتجه إلى ما تبقى من غابات، فيحقق بهذا العمل ثلاثة أهداف متوازية في أهميتها، أولها تأمين تدفئة عائلته في الشتاء، وثانيها تأمين عمل في ظل البطالة، وثالثها تأمين مهرب من دوريات الشرطة العسكرية والأمن العسكري التي تحاول جاهدة سوق الفارين من الخدمة إلى جبهات القتال المنتشرة في مختلف جغرافيا البلد الغارق في الحرب.
يقطع أسعد عدة أشجار وحده يومياً تتراوح بين 4 و 6، وكذلك رفقاه، حيث ينتقون السنديان والبلوط بالدرجة الأولى ليتجهوا بعدهم إلى الكينا والصنوبر، مبررين ذلك بكون “السنديان خشب ثقيل يصعب على النار حرقه بسرعة كما أن سعره هو الأغلى بين أنواع الطب”، فيما يبتعد الشبان عن الأشجار ذي السيقان النحيلة، “ليس حرصاً عليها” بحسب أسعد وإنما كونها “لا تغني من برد”.
“سأقطع الشجرة الكبيرة التي تظلل مدخل فرع الأمن السياسي” يقول ابراهيم، وهو أيضاً فارٌّ من خدمة العلم، فارتفاع أسعار المازوت، وقلَّته، وانقطاع الكهرباء المستمر، وقلة إسطوانات الغاز، وإشراف فروع حزب “البعث العربي الاشتراكي” على توزيع وسائل التدفئة المنزلية، يجعل عيني ابراهيم تتجهان نحو الشجرة التي تظلل مدخل فرع الأمن، “لا مشكلة لديهم فسيارات المازوت تقيم أمام منازلهم ومنازل أقربائهم، والحطب بالنسبة لهم هو ترف يتمثل في الجلوس أمام (الشومنيه) والتمتع بشكله ومذاق النبيذ الأحمر أمامه” يتابع ابراهيم لــ”صدى الشام”.
تزعُم شُعَب الحزب في طرطوس واللاذقية أنها ستوزع قريباً قسائم على المواطنين للحصول على مئة ليتر من المازوت لكل أسرة بغرض التدفئة، فيما ترفع السوق السوداء سعر الليتر إلى أكثر من 200 ليرة أي دولار أمريكي واحد، مع العلم أن سعره الرسمي وفق وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك هو 150 ليرة، وبحسب مصدر من مدينة القدموس في ريف محافظة طرطوس رفض الكشف عن اسمه، فإن “استهلاك الأسرة البسيطة من المازوت في العام الواحد يفوق 800 ليتر وهو ما سيكلّف من السوق السوداء 160 ألف ليرة سورية، ما لا يمكن لأية أسرة تحمّله”.
يقول ابراهيم :”آلاف بدونات المازوت أمام محطات الوقود تنتظر سماحة وجه العاملين في المحطة، وهم من روّاد الزيارات الدائمة إلى فروع الحزب والأمن”، ويتابع “تنتظر أحياناً يومين وثلاثة لتعود فارغ اليدين، في الوقت الذي بلغ فيه سعر حمولة الحطب التي تزن 1 طن 20 ألف ليرة سورية وهي لا تكفي لأكثر من شهر، وعدا عن ذلك فقد وصل سعر مدفأة الحطب التي عادت بقوة إلى السوق السورية نحو عشرة آلاف ليرة”.
يحمل أسعد منشاره بيد وبارودة الصيد بيده الأخرى ويتجه نحو الجبال، لا تهمه دوريات الحراج ولا الأمن العسكري فهي لا تتوغل في الغابات، ولا تهمه صيحاتهم ومحاولاتهم لطرده ورفاقه من بين الأشجار، فقد سبق وأن طرد ببارودته عدة دوريات، “لن يؤثر قطعنا للأشجار على غابات المحافظة الكثيفة، ولن يؤثر هروبنا من الجيش على قوته، هناك محافظة كاملة تقاتل إلى جانبه، ثم إننا نهدي الحطب لمختلف حواجز الدفاع الوطني، إننا نسهم في تدفئة حماة الوطن”.
من اللافت أن جريدة “تشرين” الرسمية التابعة للنظام، ترى في اتجاه المواطنين نحو الحطب “عودة إلى الطبيعة” حيث نشرت في نسخة أصدرتها مؤخراً : ”تكيّف سكان المناطق الجبلية مع الواقع ووجدوا بأن العودة إلى الطبيعة هي الحل الوحيد لتحميهم من برد الشتاء”
ربما لو لم يكن لدى محافظة طرطوس ما يكفيها نسبياً من المنتجات الزراعية لكانت العودة إلى الطبيعة أمعنت في “النوستالجيا”، فعاد المواطنون إلى مرحلة الجمع والالتقاط، وربما الحديث بالإشارة، ريثما تُبعَث حضارة أوغاريت الساحلية من جديد.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث