هروب
وهجرة المدرّس من وطنه لا يعني مجرد غياب مفاتيح التأهيل العلمي فقط، بل يؤدي
لاختلال عجلة التنمية المجتمعية، والخطط العلمية والاقتصادية والاجتماعية بين وطن
يهجر أبنائه و أوطان تستفيد منها.
هذا ما يحصل في سوريا، بعد أن اشتعلت نيران
الحرب فيها من هنا يحاول التحقيق التالي تقدير
الخسائر نتيجة هروب الكفاءات العلمية السورية، و البحث في أسباب هروب المدرّس السوري، ومعرفة تأثيرها المالي
والاجتماعي على طرفي المعادلة: “المدرس والوطن”؟
خسائر
بالجملة..
ذكرت
دراسة لـ “مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية” أن مغادرة العقول العربية
وأغلبها خبرات تقنية وتعليمية، تكلف الدول العربية خسائر لا تقل عن 200 مليار
دولار، بالمقابل تؤكد دراسات أخرى أن ثلاثة أخماس المهاجرين السوريين أدمغة،
ويعتبرون ملكاً خاصا للدول الجاذبة لهم، ما يحرم سوريا الاستفادة من إبداعاتهم
الفكرية والعلمية في مختلف المجالات. في حين قالت منظمة الصحة العالمية العام
الماضي إن جميع الأطباء النفسيين التسعة في البلاد غادروا، وأكثر من نصف أطباء حمص
غادروا البلاد.
كما
يقدّر نقيب أطباء النظام السوري، “عبد القادر حسن”، أن عدد الأطباء
الذين هاجروا خلال هذه الحرب يصل إلى نحو 30% من إجمالي عدد الأطباء البالغ نحو 30
ألف طبيب، أي إن من خسرهم البلد خلال السنوات الثلاث فقط يبلغ نحو 9 آلاف طبيب في
ظل هذه الظروف الصحية الصعبة.
من هنا فسوريا كانت من بين الدول الطاردة
للخبرات، إذ إن عدد الأطباء السوريين في الخارج يقدّر بنحو 50 ألف طبيب قبل
الثورة، أغلبيتهم درس في سوريا، ثم غادرها.
دوافع
ومغريات..
يواجه
كثير من المهنيين وأصحاب الكفاءات صعوبة في الحصول على تأشيرة دخول إلى أوروبا ودول
الخليج في حين تحاول المنظمات الإنسانية الاستفادة من مهاراتهم من خلال برامج
تعبئة المجتمع مقابل العمل في المدارس والمراكز الصحية في المخيمات. وقد قرر آخرون
البقاء لمحاولة تلبية الاحتياجات في مجتمعاتهم.
يؤكد
مدرس في قسم علم الاجتماع بجامعة دمشق د. “علي” أن، “أسباب الهجرة في سوريا تقسم إلى نوعين
الأول: يتعلق بالقوى الدافعة الداخلية التي تتجسد بالعوامل السلبية، وأهمها أنظمة
التعليم المتخلفة كالدخل ،المحيط السياسي، محيط العمل” وغياب قيم العدالة
الاجتماعية، والثاني: يتعلق بالقوى الجاذبة التي تضعها الدول أمام المهاجر، وأهمها
“التسهيلات التربوية والصحية والتعليمية والأجور العالية”.
وهذا ما لمسه د.
“أحمد” مدرّس سابق في جامعة دمشق من خلال المردود المالي العالي للأستاذ السوري
في الخارج مقارنة مع الذي كان يتقاضاه داخل سوريا، ومن هذا المنطلق يقول:
“الأمور الإدارية في الجامعة الخارجية بعيدة عن التعقيد والبيروقراطية، كما
أن حقوقك مصانة ومتابعة ولا لبس فيها على الإطلاق”، موضحاً أن، “هناك
فرقاً شاسعاً في مسألة الراتب بين البلد المهاجر إليه وسوريا، خاصة مع انخفاض قيمة
العملة السورية وظروف الاعتقال التعسفي، حيث خسر الكثير من المدرسين الجامعيين
وظائفهم نتيجة موقفهم السياسي”.
دافع
أمني ومادي
يؤكد
“ع. ر” مدرّس في كلية الإعلام بجامعة دمشق” أن عضو الهيئة
التدريسية كان يقارع الحياة ومتطلباتها مقارعة المحاربين طواحين الهواء خاصة إن
العامل الاقتصادي والدخل ضمن الوطن لا يسد الكفاف، وقد زادت هذه الحالة بعد الحرب
التي تشهدها سوريا، ما يدفع المدرّس للبحث عن فرصة عمل تحقق بعض ما يطمح إليه عن
طريق السفر لتأمين معيشة أفضل.
من
جانبه يوضح أ. “سمير” مدرس لغة انكليزية، أن هجرته من سوريا لتحسين
الوضع الاجتماعي، والهروب من الحرب التي تسعر نيرانها دون إغفال غياب العدالة
الاجتماعية.
في
حين يؤكد “د. أسامة” مدرّس كلية الشريعة والحقوق في جامعة دمشق أن
الآراء تختلف حول الهجرة، ويعود ذلك للقناعة والظروف الشخصية الخاصة التي تحكم
الأستاذ، وعليه يؤكد أن الوضع المادي والأمني في سوريا أصبح أسوأ، نتيجة ما تشهده
البلاد من حرب لا يظهر منتهاها حتى الآن، وهذا زاد، وسيزيد من هجرة وهروب العقول
السورية.
احتقار
أمني..
لا
أحد يعير النخبة المثقفة في سوريا أي اهتمام بل كان ينظر إليها باحتقار في بعض
الأحيان، عنصر مخابرات صغير لا يحمل شهادة ابتدائية يستطيع أن يتحكم بأستاذ جامعي،
هذا ما حدث مع المدرّس في كلية الشريعة د. “عمر” حين أهانه أحد عناصر
الأمن على أحد الحواجز، وحين قال له أنه أستاذ جامعي لم يبالِ، واستمرَّ بالشتائم
وكأن شيئاً لم يكن.
يقول
الدكتور عمر لـ”صدى الشام” بعد أن وصل إلى تركيا، ” ما كان يصبرنا
على البقاء في الداخل هو تعليم ما تبقى من الشباب، وإتمام الرسالة التي بدأنا بها،
لكن وصلت الأمور إلى حد لم يعد يطاق، فمن تلك الحادثة لم أبقى في سوريا سوى أسبوع
واحد قبل أن أنتقل إلى تركيا، واليوم أحاول البحث عن أي مكان علمي محترم يحترم
خبراتنا ومكانتنا”.
يضيف
الدكتور عمر، ” ليس عنصر الأمن في الشارع فقط فالكثير من زملائنا المدرسين في
جامعة دمشق تحولوا إلى عناصر أمن، منهم من يكتب التقارير بالآخر، ومن يقمع الطلاب،
ومن يروج لفكر النظام داخل محاضراته، وهؤلاء خطرهم أكبر من عنصر الأمن فهم مسؤولون
عن تعليم جيل بأكمله”.
ثلاثة
أنواع أكثرها الهروب
تقسم
طريقة هجرة أساتذة مدارس التعليم الأساسي والثانويات ما قبل الجامعة إلى أقسام
ثلاثة، أسهلها الإيفاد بوساطة وزارة التربية، وهذا بات شبه معدوم حسب تصريحات
وزارة التربية، وإحصائياتها، وثانيها التقدم للمسابقات عبر السفارات، حيث كانت
قنصليات وسفارات عدة تطلب مدرّسين سوريين، وحينها على المقبول أن يطلب استيداعاً
“إجازة بلا راتب” تستمر على الأكثر لأربع سنوات. ومع قلة فرص كهذه أيضاً
في الوقت الراهن وتضييق النظام على موظفي الدولة ومنعهم من السفر، باتت الوسيلة الشائعة
هي هروب المدرّس من عمله، وسفره للخارج للبحث بنفسه عن فرصة عمل في الخارج.
د.
سالم مصطفى مدرس ضمن مدارس العاصمة دمشق،
خسر منزله في منطقة داريا بعد قصفها بالبراميل المتفجرة من قبل قوات النظام، بعد
أن ساء وضعه الاقتصادي في العاصمة فكر بالهجرة خصوصاً بعد تلقيه عقد عمل للتدريس
في الخليج، يتحدث لـ”صدى الشام” قائلاً: ” مجرد وصولي إلى الحدود
الأردنية منعت من السفر إلا بعد الحصول على إذن سفر من وزير التربية في سوريا،
تقدمت بطلب للوزير لأنتظر شهراً كاملاً ثم يرفض الطلب، فلم يبقى لي سبيل سوى
الخروج عبر المناطق المحررة، فكان أن توجهت إلى دير الزور ومنها إلى تركيا”.
منافع
تقابلها أضرار
من
وجه نظر د.”معروف” أن الهجرة عن الوطن لها مجموعة آثار سلبية هي صعوبة
التواصل الاجتماعي. أما آثارها الإيجابية فتتمثل باكتساب الخبرة العلمية، وتحصيل
دخل أعلى في حين يجد د.”عيسى” في ذلك فائدة عالية نتيجة تعرض المهاجر
لثقافات ومناهج ورؤى وأساليب تفكير جديدة ينقلها في حال عودته إلى مجتمعه، وفي ذلك
امتزاج حضاري معرفي دون إغفال الفائدة المادية.
في
حين يشرح د. “داوود” تجربته في التعليم في تركيا من خلال فوائد عدة.
فعلى الصعيد المادي شكّلت حالة تمكين معقول ومقبول، ومنعته الإحساس بالغربة
المطلقة عن المجتمع كونه يتعامل مع مجتمع قريب من المجتمع السوري، أما على الصعيد
العلمي فكانت تجربة رائعة من حيث تنوُّع العمل من خلال الحوارات والندوات
والمؤتمرات داخل الجامعة.
توقعات
يصبغها الواقع
توقعت
دائرة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية لقسم السكان في الأمم المتحدة ضمن تقريرها عن
هجرة السكان بما فيها الأدمغة والكفاءات العلمية أن يبلغ عددها من المهاجرين
السوريين خلال العام الحالي نحو 2 مليون، و205 آلاف، و847 مهاجراً، أي ما يعادل
10.7%من سكان سوريا، وقد تكون الخسائر السورية من الهجرة أدمغتها العلمية نحو 100
مليار ليرة سورية، بينما قُدّرت المكاسب الدول المتقدمة والمستفيدة من تلك
الكفاءات نحو 450 مليار ليرة سورية. وحسب المصادر الإعلامية فإن هجرة الكوادر
العلمية مشكلة يجب التوقف عندها والبحث فيها وإيجاد السبل الكفيلة باستعادة من
هاجر منها لأي سبب كان، وإصدار التشريعات والقوانين التي تقدّر هذه الكفاءات،
وتحترمها.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث