حلب- مصطفى محمد
يعتبر الدعم المادي الذي تتلقاه
قوات المعارضة من أكثر القضايا خصوصية وحساسية. ويبدو أن تسليط الضوء على حساسيته
في مادة صحفية سينتج بالضرورة مادة معتمة،
لا تتمتع بالإضاءة الكافية على كافة جوانب هذه الاشكالية، لأن أكثرية فصائل
المعارضة مطالبة من الداعمين بجملة من المطالب، من بينها أن لاتشير إلى الجهة
الداعمة، لأن مايفرض على الأرض هو غايتهم، والبقية تفاصيل..
المعارضة بعض الفشل إلى منظومة الدعم المالي، ويتفقون أنه مسؤول في كثير من
الأحيان عن حالة التشرذم التي تطال جسد رجال المعارضة على اختلاف مشاربهم.
لم تكن تمتلك قوات المعارضة إلا
السلاح الخفيف “الكلاشنكوف”، وعدد محدود من ذخيرتها، حتى عزمت على البدء
بمعركة حلب، في صيف العام 2012، ولكنها حققت بهذه الذخيرة، ماتعجز عن تحقيقه الآن
وهي تمتلك سيلاً من السلاح الثقيل، فأين الحلقة المفقودة هنا؟
يجيب المحامي “عثمان الخضر”، رئيس
لجنة الرقابة والمتابعة في المجلس المحلي لمدينة حلب على السؤال بالقول: ” ليست بالحلقة المفقودة بل هي الكارثة
بعينها”، ويتساءل، “هل لحق بالثورة السورية كارثة مثل كارثة الدعم والأجندات
المصاحبة له”.
ويتابع ساخراً، ينطبق المثل القديم
المعدّل على حالنا هذه الأيام، “قل لي من يدعمك أقول لك من أنت”، فكل
داعم له أجندة على الأرض، وبعض هذه الأجندات جلبت ويلات للثورة، من أهمها القتال
الذي يدور فيما بين الفصائل الثورية نفسها، وبعض الفصائل المتواجدة الآن خير دليل
على ذلك”.
ورداً على سؤال “صدى
الشام” حول سبل وطرق التقليل من حجم هذه الكارثة، يقول ضاحكاً:”حتى
أصارحك القول حتى نحن هنا في المجلس المحلي نعتمد في كثير متطلباتنا المادية واللوجستية
على الداعمين، إلا أن إفهام الداعم بأن لنا خطوط حمراء لايمكن تجاوزها، قد يكون
جزءاً من الحل”.
ويوضح الخضر، “لابد لنا من
الاعتماد على الذات أو محاولة ذلك، ولدى العسكر بديل
لو قدّر لهم استثماره بالشكل الأمثل، لكانوا في بحبوحة عسكرية، وغير
محتاجين للداعم، فالغنائم التي اغتنموها من جيش النظام قد تسد الحاجة، إضافة إلى التصنيع
المحلي للسلاح كضوء منير في نهاية النفق.
الدعم أحد مسببات
الخلاف!
ترجع الكثير من المصادر المحلية
التراجع في مؤشرات الثورة السورية إلى إملاء الداعم وأجنداته المتفرقة. بالمقابل
لاتغفل تلك المصادر مرجعية وفكر الفصائل الذي يختلف باختلافها.
السياسية للواء صقور الشام، أحد فصائل الجبهة الإسلامية أن سبب الكثير من الخلافات
بين الفصائل، يعود إلى التنافس على استقطاب الداعم أو انعكاساً لاختلاف أجندات
الداعمين.
والتنافس على مناطق النفوذ وتعمق فكر الاقصاء والتحريض الإعلامي المتبادل، وغيرها
من المسببات تتشارك المسؤولية أيضاً”.
كما ينفي أن يكون الدعم سبباً
حقيقياً لرفع السلاح بين الأخوة، مشيراً إلى مسؤولية قد تتحملها أجندات الداعمين
في عدم التوحد بين الفصائل.
مؤكداً أن، “عدداً مبشّراً من
الفصائل، لاتخضع للدعم المشروط، وخصوصاً إن تعارَضَ هذا الشرط مع الأهداف الجوهرية
للثورة السورية”.
غياب التكتيك زاد من
سلطة الداعم
ذلك بتصيير سوريا مقبرة للسلاح العالمي، وذهب البعض إلى وصف الحرب السورية بالحرب
العالمية المصغرة، أو ” بولندا الحرب العالمية الثالثة”.
المعارضة حاجتها للدعم، التي عجز النظام عن تأمينه منفرداً، بعد أن أمضى نصف قرن
من الجباية واللصوصية ليرتمي بين أحضان روسيا وإيران بعد نفاذ الكثير من احتياطه
المالي.
” إن غياب التخطيط زج قوات
المعارضة في عوز مستمر للذخيرة، مقابل بحر من الذخيرة يقدّم للنظام من حلفائه،
لذلك لا تطلب ممن تركوا عرضة لأعتى أنواع السلاح أن يرفضوا يداً تقدم لهم السلاح
حتى يدافعوا عن أنفسهم، حتى لو كان مشروطاً”.
هذا ما قاله أحد قادة الفصائل العسكرية على
الأرض في حلب تحفظ على ذكر اسمه، حيث يضيف لـ”صدى الشام”،”
بالمقابل و بالعودة إلى حسابات التسويق، والمقاربة الاقتصادية فلم تكن المؤسسة
الثورية ذات هيكل تنظيمي موحّد قادر على إدارة القرار الاقتصادي السياسي بشكل
ممنهج. لكنها بدت اعتباطية في الكثير من حالاتها، ولاسيما أنها لم تساق كما تريد
هي، بل كانت ومنذ نشأتها ردة فعل على نظام يصفه الكثير بأنه المناصر الأول للثورة،
وذلك لرعونته”.
وربما كان لغياب القيادة الموحدة
العسكرية والسياسية والاقتصادية لقوات المعارضة تأثير واضح للعيان من قبل المراقب،
بيد أن غياب التخطيط الاستراتيجي العسكري كان قاتلاً، فالأخير كان يتوجب عليه أن
يكون المسؤول عن توجيه السلاح المتوفر في
الجهة الصحيحة فقط، عبر التخطيط لمعارك ممنهجة قليلة العدد بدلاً من معارك كثيرة،
ومخيفة في حجم ابتلاعها للسلاح الشحيح أصلاً.
وقد تكون غير مهمة أصلاً، وخير
مثال عليها، المعارك التي تدور بين الأبنية في جبهات حلب الغربية، مثل جبهة
المخابرات الجوية، وغيرها من الجبهات التي لاطائل منها.
كما لم تنجح الثورة السورية
باستقطاب الكثير من الشعوب الأخرى، وعمدت في كثير من الأحيان إلى استثارة نخوة
الشعوب بطريقة كاريكاتورية، ولم تتوجه إلا إلى الشعوب العربية متناسية الشعوب
العالمية الأخرى. ويظهر ذلك واضحاً من خلال غياب الخطاب الإعلامي لمؤسسات الثورة،
باللغة غير العربية.
الإغراق بالمال..
يجزم أحمد الخطيب أحد مقاتلي الجيش
الحر أن، “ملايين الدولارات أعدت
لتخريب هذه الثورة من الجهة التي تقف وراءها، إن كانت فرداً أو حكومة أو حزباً.
ويوضح الخطيب في حديثه لـ “صدى
الشام”، ، “أن من حرر 70% من أراضي حلب، بالسلاح الفردي عندما كانوا
صادقين، وعندما كان الدعم الذي يأتيهم غير مشروط، هم أنفسهم قادرون على تحرير بقية
المدينة، وعند عودتهم إلى صدقهم الأول والإيمان بالله أولاً، ثم عدالة قضيتهم
ثانياً، سوف يقتنعون بأن ما سبق أقوى من الإيمان في قوة السلاح”.
وأشار الخطيب، إلى أنه، “تم إعدام
كل فصيل على حدة بحجة الدعم، بحجة تنصيبه سيداً للمعارضة لأن الداعم يريد ذلك،
وخصوصاً بعد نشوب الخلاف بين الداعمين الرئيسيين للثورة السورية (قطر والسعودية) وانعكاس
هذا الخلاف على الواقع السوري تماماً وصراعهما على مناطق النفوذ”.
وأرجع الخطيب الظروف السيئة التي
تمر بها الثورة السورية إلى تحول العمل الثوري إلى عمل إنتاجي صرف، وتحول الكثير
من المقاتلين إلى موظفين براتب شهري مقطوع.
وخلص إلى أن خلاص قوات المعارضة هو
ترك الداعمين. وحينها ستعود الثورة كما بدأت، وسيكون الانتصار مسلكها الحتمي.
من جهة أخرى تفيد الكثير من
المصادر أن النظام يعمد إلى ترك السلاح بعد انسحابه من مقراته لزيادة حجم الخلاف
بين الفصائل التي سوف تتقاسمه فيما بينها، بعد أن تسيطر على هذا السلاح.
وتشير المصادر نفسهاإلى أن النظام
استخدم هذا الأسلوب مراراً وتكراراً منذ بداية الثورة وصولاً إلى أيامنا هذه.
غضب شعبي..
“إن كنت ناصحاً لأيّ شعب في
العالم يفكّر بالقيام بالثورة، فنصيحتي الأولى له، ابتعدوا عن الداعمين، و لا تنصاعوا
لأجنداتهم، فهم ليسوا مؤسسة خيرية، هم شياطين الحسابات، وليست أموالهم المموهة
والمشبوهة، إلا سهاماً يريدون بها أعناقكم مستقبلاً”.
هذا ما عبر عنه الخمسيني “عبد
الرحمن”، مخاطباً ذلك الشعب الذي يفكر بالثورة، ويضيف، “هذا ليس تفكيري
وحدي فأصغر ثائر في الشارع السوري بات يعلم أن مشكلة الثورة هي الدعم
والداعمين”.
ويستدرك عبد الرحمن بالقول، ”
ثورانا لم يكونوا يوماً مستأجرين، ولكن هي اللعبة الدولية، والإقليمية التي لم
ترقها تطلعات الشعب السوري إلى حياة كريمة”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث