ثائر الزعزوع
بعد أن أعلن
“أكاديمي” عبر الهواء مباشرة في برنامج الاتجاه المعاكس على قناة
الجزيرة مبايعته زعيم تنظيم داعش، وقبله كانت “أكاديمية” قد فارقت “اللهو”
الأكاديمي وأعلنت مبايعتها للتنظيم الذي يحمل آمال الأمة الإسلامية، وبعد الرسائل
الصوتية والبيانات التي أصدرتها تنظيمات “جهادية” في أكثر من مكان تعلن
من خلالها انضمامها لهذه البيعة الاستثنائية، ومنذ قرابة شهر ظهر مجموعة من
الملتحين من جنسيات مختلفة، وكانوا يمزقون بطاقاتهم الشخصية، وجوازات سفرهم،
ويلقون بها في النار، ثم يعلنون بيعتهم، أو مبايعتهم.. وهلم جرّاً.. فإنه من
المتوقع أن نبدأ تباعاً بتلقي مقاطع الفيديو التي يعلن فيها أصحابها مبايعتهم
تنظيم داعش وانضمامهم إليه، وخاصة بعد أن اجتهدت الفضائيات العربية في إبراز
مظلومية السنة في تصديهم للحرب الصليبية، واجتهد المتحدثون من كل صوب وحدب ليعلنوا
أن التنظيم قاطع الرؤوس وراجم النساء هو منقذ الإسلام والمسلمين، وهو الوحيد
القادر على تحقيق الحرية والعدالة التي يحلم بها المسلمون المضطهدون في عالم الكفر
والضلالة الذي نعيش فيه.
بعد كل هذه المقدمات
المتلاحقة، والتي تكللت مؤخراً بكلمة “مولانا” الخليفة التي هزت كيان
مذيع قناة النهار المصرية الشهير محمود سعد وجعلته يقرع ناقوس الخطر، ويعلن أن
الأجيال القادمة ستعيش ذلاً وهواناً بعدما أعلن البغدادي في كلمته امتداد دولته
وتوسعها لتشمل دولاً وأقطاراً عربية أخرى هي السعودية والجزائر واليمن وليبيا
ومصر، وطبعاً هذا ما جعل أوصال محمود سعد ترتعد، وقد دعا البغدادي الجهاديين
للالتحاق بركب “دولته” فهي ستنتصر حتى وإن بقي منها رجل واحد، وقد ظهر
من خلال رسالته الصوتية (واثقاً متحدياً، ملوحاً بقبضته لجيوش الكفر، معلناً أن
النصر آت لا محالة) والكلام هنا لمحمود سعد.
بعد كل هذا هل سيكون
مستغرباً أن تبدأ بعض الفضائيات العربية بعرض رسائل مسجلة لعسكريين ومقاتلين
يعلنون بيعتهم للخليفة على غرار العسكريين الذين أعلنوا انشقاقهم، فتبدأ الرسالة
بـ أعلن مبايعتي… إلى آخره، بدل أن تبدأ بـ أعلن انشقاقي، وسوف لن تعدم تلك
الفضائيات وسيلة للترويج لدولة البغدادي وخاصة بعد أن بدأت العملة الذهبية التي
سكها التنظيم مؤخراً تتسلل إلى جيوب بعض الممولين، بل والإعلاميين، حتى أن
الكثيرين منهم بات يشار إليهم بالبنان على أنهم داعشيون، ولن نستغرب أن تتحول
“الداعشية” إلى مذهب فكري، على غرار الماركسية، والوجودية، وهو ما لمح
إليه محمود سعد خلال فقرته التي كان يرتجف خلالها، فقد قال إن داعش ليست مجرد
تصرفات على الأرض بل هي فكر، ورغم أن هذا التوصيف مبالغ فيه، وغير منطقي، وقد لا
نقبله على الإطلاق، إلا أن المطلوب في مكافحة الشعوب الراغبة بالتحرر هو التمهيد
لإعادتها لعصور الظلام، فالتحرر مرفوض، إما أن تبقى تحت وطأة الحذاء العسكري
وأشباهه، وإما أن تعود إلى عصور الخليفة البغدادي، بكل ما تمثله هذه العودة من
انهيار إنساني، وحضاري، المطلوب من بعض وسائل الإعلام هو التلويح بهذه العصا
الغليظة، كي تقبل الشعوب وتستسلم وتحني هاماتها لتقبل يد الحاكم أياً يكن.
مؤخراً بثت التلفزة
المغربية تقريراً مدته دقيقتان ونصف الدقيقة، وانتشر بسرعة النار في الهشيم على
مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر التقرير ولي العهد المغربي الأمير يوسف بن محمد
السادس وهو يقوم بافتتاح قنطرة مولاي يوسف، وتنحني رؤوس كبار المسؤولين المغاربة
لتقبيل يده، وهو يسير بخيلاء، ويصغي للشروح التي يقدّمها له وزراء ومهندسون
وخبراء، للأسف هذا هو واقع الحال، وأما الثورة على هذا الواقع فإنها ستقود إلى
دولة الخلافة، وأية دولة وأية خلافة!!
كل شيء معد لنا سلفاً، هكذا
قال محمود درويش مرة، وقد بعثرت الثورات العربية ما هو معد سلفاً، وأرادت أن ترسم
واقعاً مختلفاً، لكن المعدين رفضوا، وبعد أن أفشلوا الحراك السلمي، والجيش الحر في
سوريا، وبعد أن طوقوا كل مشروع مهما كان صغيراً بمنحهم الكبيرة، وفرضوا حصاراً على
كل ما هو سوري، وضيقوا على السوريين حتى في مخيمات لجوئهم، أرادوا أن يخلقوا لنا
“بعبعاً” آخر يلوحون لنا به لا لنا بل لشعوبهم، فالثورة معصية، وإلا فإن
الرؤوس ستتطاير، وعجلة “الجهاد” قادرة على حصد من تشاء كل يوم.
داعش ليست سوى عصابة، تقتل،
وتسرق، وتحرق الأخضر واليابس، تحلل ما تشاء، وتحرم ما تشاء، ولا يمكن لعصابة من
قطاع اللصوص والقتلة والخاطفين أن تتحول إلى فكرة، فلا تلعبوا علينا لعبة جديدة،
ودعوا الشعوب تقاوم الجهل والظلام بإيمانها وثورتها.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث