حافظ قرقوط
“حنين” كتبت اسمها ورقم هاتف جارتها على ورقة صغيرة أخذتها من لفافة سندويشة ابنها الصغير، تسير في الشارع لتبحث عن عمل، وعن أمل معلق على زمن توقّفت عقارب ساعته على جراح لم تعد تحصى، حنين، صوتها هو كذلك يشعرك بالحنين.
في لهجتها الحمصية تتذوّق حلاوة حمص، وفي حزنها تعلمك أن لحمص ساعةً توقّفت أيضاً منذ ذلك التاريخ المشؤوم حين غزاها الرصاص، كانت في بيروت محطتها على أمل أن في هذه المدينة شيء يشبه حمص، لكن حنين سرعان ما اكتشفت أن المدن تحمل ذاكرة أهلها فقط.
في حيّ جورة الشيّاح بحمص ولدتْ، وهناك تزوّجت وفي مجزرة الساعة اُستُشهد زوجها، صمدت في ذلك الحي بين الأهل والجيران، وكبر ابنها عاماً، وأصبح في الرابعة من العمر.
قالت: “اشتدّ الحصارُ والقصف والقنص، وعدّاد الشهداء لايتوقّف في حمص، تلك الأحياء التي يقطنها أصدقاؤنا قبل الثورة عوضاً عن اتصالهم للاطمئنان علينا كانوا يرسلون الرصاص، وعوضاً عن الخبز كانت القذائف، أصدقاء زوجي هناك هم من أطلق اسم سامر على ابني، في تلك السهرة التي ارتفعت ضحكاتنا فيها قبل ولادتي، أصروا أن نسمّيه سامر، فرحوا به وأحضروا الهدايا له، هم أصدقاء زوجي منذ الصغر، لا أدري إن كان أحد منهم قد أطلق الرصاص على الشباب في دوار الساعة، وقتل صديقه، لكنني أدري أن أحداً منهم لم يُعَزّني به، أحداً منهم لم يستوعب أن الثورة على الطغاة، وليست عليهم”.
صمتت حنين طويلاً تتأمل تلك المحلات الممتدة خلف الرصيف، ربما تحاول رسم شيء من حيّها، بلعت لعابها ورغبت أن تغادر فاستوقفتها بسؤال عن آخر اللحظات التي ودّعت بها بيتها وحيّها فقالت: “الذي أذكره أن الأرض كلها خانت إنسانيتها، وتركتنا، اُستُشهِد أخي على باب المنزل بشظية، اُستُشهِد أبي على باب الفرن بغارة، استشهدت زوجة أخي وهي في المطبخ تحضّر الطعام لأولادها”.
سال فيضان الدمع على خدّيها، وبدأ يقطر ليبلل الكلمات المسترسلة وهي تعد قائمة الشهداء، ولكنها لم تكترث، لربما الدموع أصبحت غسيلاً للرُّوح المُتعَبة، تابعت بذكر الشهداء وتابع ابنها سامر بنظراته نحو وجهها، وبقيت تلك السندويشة بيده كدليل على طفولة لم تزل تبحث عن صورة أب يلامس أحلاماً لم تتشكّل بعد، بقيت حنين كحمص تحاصر ذاكرة الجغرافيا حين تتهشم على باب امتحانها الأول، وتصبح مجرّد جدران ومعالم جامدة، في نظرة حنين كثير من حنين لا يمكن اكتشافه، غادرت حمص مثقلة بآلام قد تجعل كلمة الحنين مجرد لفظ لأحرف أيضاً بلا روح، فالروح قد تكون دفنت هناك مع قائمة الشهداء.
لكن حنين متأملة أرصفة بيروت وهي تمسح خديها تقول: “بيروت تحاصرنا لا تحضننا، هي ليست فيروز التي كانت تطير بنا فوق الأماكن والمدن، وتعبر الحدود، عبرتُ تلك الطرقات من حمص نحوها، سرت في أحراش وفي دروب خطرة، لكن الخوف قد غادرنا منذ أول قذيفة نزلت على حمص، هنا في بيروت لا صوت قذائف ولا قناص على المعابر، لكنها تخيفني، نعم أنا في بيروت خائفة أنتظر رحلة عودة وإن إلى خيمة فوق ركام بيتنا في جورة الشياح”.
قد لا تذكر حنين التي كانت تسير في الشياح ببيروت وهي من جورة الشياح في حمص، أن للشياح هنا نزيفاً امتد لسنوات وأن هذه الأبنية كانت في يوم ما أشباحاً تنبعث منها رائحة الموت، هي الآن تنبض بالحياة، لكنها استبدلت خطوط التماس بخطوط الصور التي مازالت تنبئك أن حدثاً مخيفاً يختبئ خلف الصور، ربما هو ما يحاصر حنين في بيروت، لكنها تدرك أنها ستعود لشياحها، وإن بذاكرة تنزف منها أسماء المدن لتحتفظ بأسماء الشهداء.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث