الرئيسية / تحقيقات / حلب: الموارد الإنتاجية بين المتوفّر القابل للتطويع والظروف الأمنية

حلب: الموارد الإنتاجية بين المتوفّر القابل للتطويع والظروف الأمنية

حلب – مصطفى محمد
 يتربّع الأمن الغذائي على سلم أجندات كلّ بلدان العالم قاطبة، ويعدُّ من أكثر القضايا الحساسة والمُؤرِقة لكلِّ الأنظمة الحاكمة لارتباطه باستقلالية قرار البلاد، ومن يحقق الاكتفاء الذاتي هو سيّد لقراره بالضرورة وغير مضطر لمحاباة وإملاءات الآخرين من الدول.
 ولايتحقق الأمن الغذائي بين ليلة وضحاها، بل هو نتاج تراكمات طويلة من التنمية والعمل المستدام على المستوى الوطني.
“لن نقارب ما سبق مع حالة التّدهور الاقتصادي التي وصلت إليها المناطق التي تسيطر عليها قوات المعارضة في مدينة حلب وغيرها من المناطق، لأن المقاربة هنا “كفر” بعلم الاقتصاد بسبب الحرب والقصف المتواصل وعدم الاستقرار، إلا أن هذا لايعفي القائمين على أمور هذه المناطق من المساءلة والاستجواب ومواجهتهم بسؤال مهم وبحدة مرتفعة: ماذا حققتم؟”
هذا مقاله الاقتصادي، “محمد عارف”.ويضيف عارف لـ” صدى الشام”، “مفتاح الحل أن تعرف درجة فشلك، ومن ثم تبدأ بالتغيير، إن كنت قادراً، أما إن كنت غير قادر فغادر عسى أن يأتي بعدك شخصٌ قادرٌ على التغيير”.
وبحسب عارف، فإن المعارضة فشلت فشلاً ذريعاً، ولم تخطُ أيّة  خطوة، ولو كانت بسيطة تجاه الأمن الغذائي. ويوضّح عارف قائلاً: “أفرغت المعامل في المدينة ذات النشاط الأكبر تجارياً على مستوى الشرق الأوسط على أيدي لصوص ومرتزقة قد تكون تابعة للنظام أحياناً.ولم تستطع القوة الثورية محاسبتهم، ولم تمد يد العون للمزارع، الذي يجب علينا في الحالة الراهنة دعمه، لأنه قد يكون سبيلنا الوحيد للخلاص من شبح مجاعة قد يطاردنا”.
ولفت إلى أن الثورة ضد النظام فقط، وليست ضد مقدرات الوطن والخلط الذي حصل لدى الكثير فعل فعله الكبير.
فشل صناعي وإنتاجي
كانت مدينة حلب تتقن إنتاج كل شيء، وحالياً لايجد سكانها شيئاً، والصورة التي نشرت مؤخراً عبر موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك” لمواطن حلبي ينتعل في كل رجل فردة حذاء مختلفة تعبّر عن الفاقة التي وصل إليها سكان هذه المدينة التي كانت تصدّر الأحذية لكل الدول المجاورة والقريبة.
ولم تنجح المعارضة في تدوير عجلة الانتاج بعد سيطرتها المطوّلة على المدينة الصناعية “الشيخ نجار”، والتي تمكّن النظام مؤخراً من استعادة السيطرة عليها.
وأرجع يحيى نعناعة، المدير السابق لمجلس محافظة حلب الحرة، مسؤولية الفشل الإنتاجي إلى “الفكر العصاباتي”، الذي لم يرتقِ إلى مستوى القيادة لدى بعض القادة العسكريين، والذي أتى على كل حلم إنتاجي أو مدني على حد وصفه.
وأضاف في حديثه لـ “صدى الشام”، ” فكرنا بإنشاء شرطة مدنية لحماية المنشآت والمعامل الإنتاجية، إلا أن الرفض كان نصيبَ هذا المشروع بحجة وجود جهاز شرطة محسوب على فصيل معين، وقدّمنا مشروعاً رائداً لاستثمار الآبار النفطية في محافظة الرقة، حين كانت تحت أيدي الثوار بالتعاون مع مجموعة من الخبراء الدوليين، قمنا بالتواصل معهم، وقدرت نسبة الاستخراج بـ 100% بعد أن كانت نسبة استخراج النفط 20% فقط، ولو قُدِّر النّجاحُ لذلك المشروع لكان غطى نفقات الثورة العسكرية والمدنية مجتمعة على المستوى الوطني، إلا أن مشروعنا كان رفض أيضاً من قائد فصيل عسكري بسبب مخاوفه من وضع يدنا على النفط.
ويتابع نعناعة، “الآن فقدنا كل شيء، لمصلحة النظام وتنظيم الدولة. والنظام يشن حملة مستميتة لمحاصرة المدينة، التي وكما يبدو سوف تشهد مستقبلاً مخيفاً”.
حلب تحت رحمة داعش!
يوصّف محمود نجار، عضو اتحاد الفلاحين، ومسؤول الرقابة والتفتيش للاتحاد سابقاً، الوضع الزراعي لحلب حالياً قائلاً: ” الأراضي الزراعية الخصبة، السدود و الأقنية، محطات توليد الكهرباء، آبار النفط، كلها تحت سيطرة تنظيم لدولة، لذلك نستطيع القول بأن حلب تحت رحمة التنظيم غذائياً”. 
ويضيف، “لم تستطع قوات المعارضة استثمار مايتوفّر لديها من مساحات الأراضي الزراعية بسبب غياب التحرير، وليس بمقدورنا التحدث عن النجاح الزراعي، بدون عامل الاستقرار”.
وخلص نجار إلى أن الحلَّ الوحيدَ للخروج من شبح المجاعة التي تطارد حلب وغيرها من المناطق التي تسيطر عليها قوات المعارضة هو الدعم للتحرير الكامل، وأي حديث عن غير هذا الحل هو دخول بمتاهة مغلقة.
وتعتمد حلب حالياً في تأمين جزء كبير من حاجاتها الغذائية على ماتنتجه المناطق الخاضعة لسيطرة التنظيم “داعش” وخصوصاً الخضروات والحبوب، ويخلق هذا الواقع مخاوف كبيرة لدى الأوساط الشعبية في حال منع تنظيم الدولة دخول المنتجات الزراعية إلى المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، ولاسيما أن العراق المجاور يؤمن سوقاً بديلة لتصريف تلك المواد على اعتبار أن نحو ثلث مساحة العراق هي مناطق خاضعة لسيطرة التنظيم أيضاً. 
الثروة الحيوانية مهددة
تفيد التقديرات بأن الثروة الحيوانية السورية في تراجع حاد.ويعود هذا التراجع إلى عدة عوامل، من أهمها نزوح المربين والقصف المتواصل وارتفاع أسعار الأعلاف، بعد عام من الجفاف والتهريب الذي تتعرض له الكثير من أصنافها مثل الأغنام والماعز الشامي وغيرها.
وتعليقاً على واقع حال الثروة الحيوانية، يقول المهندس الزراعي و مدير مكتب زراعة حلب الحرة، “محمود حمشو”، “تجاوزت نسبة انخفاض أعداد الأغنام والدواجن الـ 35% بفعل الأوضاع الأمنية السائدة ونزوح المربين في الريف الجنوبي لمدينة حلب، الذي يعتبر خزان الثروة الحيوانية لمدينة حلب، كما تضاءلت أعداد المداجن. وهذا يظهر في ارتفاع أسعار مادة اللحوم البيضاء، والبيض باستثناء الأبقار فمازال وضعها مطمئناً للآن. ولذلك يجب الاهتمام بالثروة البقرية حتى تبقى بخير”.
وفي حديثه لـ “صدى الشام” كشف حمشو عن مشاريع ظلت حبيسة الأدراج بعد أن  كانت موضوعة على خطة المكتب الزراعي، من أهمها إنشاء معمل للأعلاف في مدينة “منبج”، التي يسيطر عليها التنظيم.
وأوضح أن غياب الدعم والعامل الأمني وعدم الاستقرار يمنع المكتب من إقامة مشاريع زراعية مماثلة في مناطق أخرى، وأشار إلى أن الحكومة المؤقتة قد تتوجه غرباً في مشاريعها المستقبلية إلى الريف الغربي للمدينة، ومحافظة إدلب التي كما يبدو تشهد توترات مماثلة بين جبهة النصرة وبعض فصائل الجيش الحر، مما يجعل الضبابية تسود مصير كل المناطق المحررة.
بقايا النعم ألا تشحذ الهمم؟
تشكل الموارد المتاحة نقطة الانطلاق الأهم، فالخامات مازالت متوفّرة في المناطق التي تسيطر عليها قوات المعارضة، والمساحات الزراعية متوفرة في الريف الشمالي والريف الجنوبي لمدينة حلب، والفلاح المرتبط عضوياً مع الأرض والكينونة الاجتماعية وغيرها مازال متوفراً إلى الآن. وتسهل هذه المتوفرات عملية التطويع تفادياً لأزمات كبيرة قد تشهدها هذه المناطق.
وبحسب مصادر محلية، ” فإن الكثير من الأراضي الزراعية خرجت عن الخدمة بسبب قربها من الجبهات الطويلة، مع تنظيم الدولة الإسلامية في الريف الشمالي للمدينة”.
وبحسب مدير المكتب الزراعي في مجلس محافظة حلب الحرة، المهندس محمود حمشو، فإن بعض الإمكانيات والموارد ما زالت متوفرة. ومن أهمها مجرى نهر “قويق” في الريف الجنوبي، دائم الجريان بعد رفده بمياه نهر الفرات عن طريق قساطل خصصت له.
ويوضّح حمشو أن السهول المحيطة بمجرى النهر لا تحتاج إلا لخطوات بسيطة وغير مكلفة حتى يصبح أحد أهم المشاريع الانتاجية للمناطق المحررة، ولايحتاج مجرى النهر إلا لحفر آبار على طول مجراه وتأمين مادة الديزل، ومن ثم خلط مياه هذه الآبار مع مياه النهر الجارية لتخفيف السميّة والميكروبات العضوية الموجودة حالياً فيه، ولتخفيف ضررها على الإنسان وحفاظاً على السلامة العامة.
ويشدد على ضرورة التحرك قائلاً: “يجب علينا البحث عن بدائل حتى لوكانت ضيقة. ففي الثروة الحيوانية أيضاً قسم كبير قابل للتطويع كتأمين “صوص” الإنتاج محلياً عن طريق مفاقس محلية وبأسعار متهاودة ومن ثم تأمين الأعلاف لهذه الثروة، التي كانت من أهم مصادر الدخل للأهالي في المدينة وريفها.
وخلص حمشو، إلى أن الإنسان الجائع هو الإنسان الأكثر توحشاً، وبهذا يجب على الجميع البحث عن الحلول والانتقال من مرحلة التنظير والدراسات إلى التطبيق الإسعافي، لأننا مازلنا على الحافة التي لايريد أحد منا الوقوع فيها.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *