عمر يوسف سليمان
الساعة الحادية عشرة من
إحدى ليالي خريف 2011، لا أحد يخرج في حي “الوعر” الآن سوى القتلة
والسكارى، لكن لا مشكلة، فالقتلة على الطريق العام، ونحن في الحارات الضيّقة برفقة
الكلاب الشاردة.
ثمة ضوءٌ وحيدٌ يخرج من فرن
صغير، تظهر قطع العجين عبر شبابيكه العليا كآخر البقاء، ذلك الفرن يختزن حزن
العالم، رشقات الرصاص تقترب، تهتز الأبنية على صوت انفجار قادم من “الكلية الحربية”،
نخفض رؤوسنا ونشرب، نفترض أننا سنموت الآن، أمَا يكفينا فخراً أن نكون شهداءَ البيرة!،
حقاً لا ندري إن كنا سنموت من الرصاص أم الكحول؟.
الضوء البعيد يهتزُّ في عيوننا، الساحة الصغيرة
في الحديقة تتسعُ للرقص، نبدأ بالدوران كما يفعل أصحاب “المولوية”، لنا
هنا حيوات مغايرة، فنحن نعبر كل يوم شارع الموت، رؤوسنا بيضاء ولا نفكر إلا بأرجلنا،
يفتح الموت ما شاء من احتمالاته، كما تفتح الحياة أسرارها، حين نصل إلى الطرف
الآخر نجد أننا قد وُلدنا من جديد، كل ما عشناه لم يكن سوى تمرين على ما سنعيشه
حقاً.
في النهار كنت أمشي في
الحي، فور اجتيازي لإحدى الطرق الضيقة استدرت يساراً فوجدتُ أمامي سيارتين باللون
الأسود تتوسطهما مدرعة “بي تي إر” تتحرّك ببطء نملة، لم أعد أستطيع
التراجع إلى الوراء والهرب فهذا يثبت عليَّ تهمة ما، كما لا أستطيع أن أتابع طريقي
لأنهم قد يطلقون النار أو أُعتَقَل، ولا أستطيع أن أقف مكاني خشية إثارة الشكوك، كنت
كمن وقع في مصيدة، الشارع فارغ، وكلّ خطوة، كلّ حركة قد تكون سبباً للموت أو
للحياة، شيءٌ ما ليس نابعاً من وعيي بالتأكيد دفعني إلى أن أمشيَ بشكل مستقيم دون
أي التفاتة، تلك الدقائق استمرَّت ألف عام، وعندما أصبحَت فوهات البنادق الخارجة
من السيارة بمحاذاة رأسي لم أتمالك نفسي من النظر، كانت تحدق بي دون زنود ولا أكف،
فوهات بنادق شديدة الصغر وحسب، عندها تجمد المشهد، سوف أعيش إلى الأبد إن لم يطلقوا
النار، وأمام تلك الفوهات مرَّ في ذاكرتي مشهد حدث قبل مدة، كان صديقي قد دعاني
إلى بيته الكائن في حيِّ “النزهة” الموالي، هل يُعقل أن يذهب شخص اسمه “عمر”
إلى ذلك الحي في منتصف الليل!، إغراء غامض دفعني إلى الذهاب، وبعد أن مرت سيارة
الأجرة بسلام عبر حواجز الجيش تفاجأت بأنني أضعت العنوان، تجولتُ في الحي، وكانت
الصور العملاقة للقائد المفدى “بشقّيه: الأب والابن” تملأ الجدران، لا
يظهر من المكان الغاطس في الظلام سوى تلك الصور المليئة بالأضواء، فجأة رأيتُ
ثلاثة شبان أمامي، وكأنهم قد خرجوا من باطن الأرض، سألوني عمّا أفعله هنا، اتصلتُ
بصديقي فأعطاني اسماً لجاره المؤيّد، هكذا أخبرتهم بأنني أودُّ الذهاب إلى بيت “العقيد
أبو مازن!”، فدلوني على الطريق، هل كان الشغف لمعرفة ما سيحصل هو ما أوقعني
في تلك المخاطرة الرهيبة؟، مهما يكن فإنها لحظات، وستنتهي بمآل ما، لا كهذا الموت
البطيء في المنفى، حين تودُّ أن تشتري الخبز في الشهر الأول من وصولك إلى أوروبا
تجهز نفسك كما لو كنت مسافراً إلى المريخ، أيام متماثلة ووقت بطيء، ثمة حربٌ خفيّة
هنا في السعي الدائم بين المكاتب الإدارية تحت سماء رقمية ثابتة، حتى قطرات الماء محسوبة
بدقة، هذه الحرب تشبه دخول رأس رصاصة في عظم الصدر وخروجه، لا يغادر، ولا يستقر في
القلب، أمّا هناك فلم يكن الأمر سوى لعبة متجددة.
بعد أن عدنا من مشوار
البيرة ذلك نظرتُ إلى المرآة، يبدو وجهي سرمدياً، لدينا الكثير من العمل، أيامنا مليئة
بالحيوية وبلذة الكشف التي يمنحها الخطر.
ثمة أناس آخرون سيأتون كل يوم خلال أحداث لا
تتشابه، زمن يمرُّ بسرعة الضوء، كذلك الزمن الذي يسبق يوم القيامة، ولنا في كل يوم
قيامة، غداً سأسافر إلى دمشق، قد لا أصل وقد لا أعود، مجرد هذا الاحتمال يبدو من
العظمة بحيث أوقن أن الحرب ليست بهذا السوء.
خرجنا صباحاً بسيارته، وبينما
كنا نغني، أخطأ الطريق فدخل في “شارع الحضارة”، كنا أصحاب حظ سعيد لأننا
مررنا خلال لحظة اشتباك بين الجيش والمسلحين في “باب السباع”، السيارة
في المنتصف، أخفضنا رؤوسنا ولم نشعر بشيء، الرصاصة التي ستدخل في دم أي منها ستسكَر،
وبالتالي لن تكون مؤلمة كثيراً، هذا ما خُيِّل لنا، لكن أحداً لم يُصب، وضحكنا
كثيراً من أننا كنا نتلمس أعضاءنا بعد أن اجتزنا المنطقة، كنا شبيهين بالصحفي
المثابر “لورانس النعيمي” الذي مرت رصاصة قرب أذنه في “باب
السباع”، سنتيمتر واحد كان يفصله عن الموت، شدة صوت الرصاصة أفقدته السمع
لذلك كان يضحك كالمجانين، لورانس استشهد بعد خروجي من سوريا خلال تصويره لإحدى
المظاهرات في دمشق/الميدان، وهو الذي علّمني كيف أرفع مقاطع الفيديو على اليوتيوب لم
يتسنَّ لي أن أرى حتى مقطع فيديو لتشييعه، من قالَ إننا نجونا من الحرب بعد خروجنا
منها؟.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث