مرهف دويدري
مازال رغيف الخبز يتصدّر أكبر الأزمات الحياتية في سوريا
من حيث استغلاله لترويض السكان المحليين سواء مَن كان في المناطق المحررة التي
خرجت عن سيطرة النظام، أو تلك التي مازالت تحت سيطرته حيث أصبح تأمينه من الصعوبة
بمكان بسبب انتشار جبهات القتال في عموم سوريا.
وأصبح من الصعب
انتقال القمح أو الطحين من منطقة إلى أخرى، ممّا يفاقم الأزمة، ويجعلها أكثر إشكالية
ويصبح الخبز عندئذٍ سلاحاً فتاكاً يستطيع مالكه أن يفرض سيطرته على تلك المنطقة.
أزمة الخبز القديمة الجديدة التي تطفو على السطح بين
فترة وأخرى تقرع جرس الإنذار، وتعلن أن الجوع أصبح من سمات الحرب في سوريا خاصة وأن
النظام السوري عمل على استراتيجية قصف المخابز في المناطق التي خرجت عن سيطرته.
وبالتالي فرضت
القوة المسلحة المسيطرة على المنطقة هيمنتها على الأفران المتبقية كما يحصل في ريف
إدلب من إشكاليات عميقة في نقص كميات الخبز المصنوع والذي يوزع على السكان
المحليين بأسعار متفاوتة حسب الدعم الذي يصل إلى الأفران الموجودة سابقا في
البلدات أو تلك التي تم تركيبها بدعم من منظمات دولية أو فعاليات أهلية، أو مشروع
تجاري لإنتاج الخبز.
هذا الدعم الذي
قد يخفّض سعر ربطة الخبز إلى 25 ليرة وربما يرفعها إلى 125 ليرة في حال عدم توفر
الدعم المطلوب من المنظمات الإغاثية حيث أغلقت بعض الأفران بسبب القصف اليومي أو
ربما عدم توفر مادة الطحين لصناعة الخبز الذي بدأ يشهد نوعاً من التجارة
الاحتكارية لدى بعض تجار المواد الغذائية الأولية.
أبو سعيد أحد أصحاب الأفران في ريف إدلب الشمالي – نتحفظ
على الاسم لسلامته – يحاول تبرير ارتفاع
سعر ربطة الخبز فيقول (ارتفاع الأسعار ليس بيدنا نحن، فرغيف الخبز مرتبط بأشياء
كثيرة من سعر الطحين في السوق السوداء، أو ربما من المساعدات التي تأتي دعماً للناس
من أجل الحصول على رغيف رخيص وأيضاً “بورصة” الوقود ومادة المازوت التي نشتريها
من “الحرّاقات” البدائية التي تكرر النفط، وقد ارتفع أسعاره في الآونة الأخيرة
بسبب ضرب قوات التحالف عدد كبير من هذه “الحرّاقات”) ويضيف أبو سعيد
قائلاً: “لنفترض أنه وصلنا طحين المساعدات والمازوت في أرخص أسعاره، ترى أحياناً
أسعار الخبز مرتفعة بسبب أن بعض المتنفذين من الكتائب المسلحة تأخذ كمية الخبز
الذي تريده دون أن يستطيع أحد منعهم وبالتالي لم يكف كل الناس مما يضطرهم إلى شراء
ربطة الخبز بثلاثة أو أربعة أضعاف سعرها الحقيقي ويعود هذا إلى الشرطة المحلية أو
الهيئة الشرعية في المنطقة”.
ما يحدث في الأفران يؤكده عبد السلام وهو أحد السكان في
الريف الشمالي لمحافظة إدلب إلا أنه يتهم بعض أصحاب الأفران ببيع الطحين في السوق
السواء بدعوى أنه مربح أكثر مما لو تحوّل إلى خبز، يقول عبد السلام: “هناك إشكاليات
كبيرة تحدث كل يوم أمام الفرن من شجار وعراك من أجل تأمين الخبز، وترى أحياناً
ثلاثة أشخاص بسلاحهم يأخذون كميات من الخبز تكفي 50 أسرة طبعاً هي للبيع، ويلجأ
بعض أصحاب الأفران أحياناً إلى بيع مخصصات الأفران من طحين المساعدات لأنه مربح أكثر،
وبالتالي تنقص الكميات بطريقة غريبة. فمثلاً هناك فرن مخصصاته اليومية 600 كغ طحين
وما ينتجه لا يتجاوز الـ 200 كغ ولا نعرف شيئاً عن الـ 400 كغ الأخرى، وأعتقد أن
هذا ممكن أن يكون سرقة من قوت الشعب”
الشيخ أبو اليمان من الهيئة الشرعية محاولاً تبرير إخراج
كميات كبيرة من الخبز من خلال مسلحين يقول: “في المدينة هناك أكثر من فصيل
مسلح، وأحياناً هناك مشاحنات بين الفصائل، ونحاول حلَّها بالحسنى، وفي الحقيقة إذا
أردنا أن نعمل على تكليف فصيل بحراسة الأفران دون غيره ربما تنشب معركة بين
الفصائل من أجل الخبز، ونحن بصراحة بغنى عن تلك المعارك من أجل رغيف الخبز”
ويضيف الشيخ أبو اليمان “هناك عائلات تستعيض أحياناً
عن الخبز بالبرغل عبر طبخه، وتستعين بالله علة مصابها”.
لعل رغيف الخبز ومنذ بداية الثورة السورية هو عماد الأزمة
المستعصية، وقد تشارك النظام وبعض فصائل المعارضة في كسر إرادة السوريين عبر قنبلة
موقوتة تنفجر كل يوم، وتعود لتنبني نفسها للانفجار في اليوم التالي.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث